في ظلّ استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية، تتصاعد أصوات الإدانة الدولية ضد الانتهاكات الممنهجة بحق الأطفال الفلسطينيين، الذين تحوّلوا إلى ضحايا رئيسيين في حرب لا تُبقي ولا تذر.
وفقاً لتقارير الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، فإنّ ما يقارب 18 ألف طفل فلسطيني قد قُتلوا أو استُشهدوا خلال عام ونصف من العدوان المتواصل، بينهم 274 رضيعاً و876 طفلاً دون العام الأول من العمر، فيما لقي 69 طفلاً حتفهم جراء المجاعة والبرد والأمراض التي تفاقمت بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض منذ سنوات.
الأرقام لا تتوقف عند القتلى؛ فالإصابات التي طالت أكثر من 45 ألف طفل، وتيتم 39 ألف آخرين، وفقدان ما يزيد عن 5 آلاف تحت الركام، تشكّل لوحة كارثية تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها جيلٌ كامل تحت الاحتلال.
في الضفة الغربية، لم تكن الصورة أقل قتامة، حيث ارتقى 188 طفلاً، وأصيب 660 آخرين، بينما اعتقلت قوات الاحتلال قرابة 1055 طفلاً، في إطار سياسة منهجية تهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني.
وتشير "حشد" إلى أنّ الأطفال يشكّلون 43% من التركيبة السكانية في فلسطين، ما يجعلهم الأكثر عرضةً لآلة القتل الإسرائيلية التي لا تميّز بين مدني ومقاتل، ولا تتردد في استخدام صواريخ الطائرات وقذائف الدبابات ورصاص القناصة لإنهاء حياة أطفالٍ لم يعرفوا من الحياة سوى الحصار والخوف.
الوضع في قطاع غزة، حيث يعيش مليون طفل، يُوصف بأنه "كارثة إنسانية متعددة الأوجه". فبالإضافة إلى القتل المباشر، يعاني الأطفال من سياسة التجويع المتعمّد، والتهجير القسري، وتدمير البنية التحتية من مدارس ومستشفيات، مما حوّل حياتهم إلى سلسلة من المعاناة اليومية.
الأزمات النفسية التي يعيشها هؤلاء الأطفال نتيجة الصدمات المتكررة ستترك تداعيات طويلة الأمد على صحتهم العقلية ومستقبلهم، في انتهاك صارخ لاتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولاتها الإضافية، والتي تُلزم الدول بحماية الأطفال خلال النزاعات المسلحة.
كما يُعدّ الحصار الإسرائيلي، الذي يحظر إدخال الغذاء والدواء والوقود، انتهاكاً مباشراً للقانون الدولي الإنساني وقرار مجلس الأمن رقم 1261 الذي يدعو إلى حماية الأطفال في مناطق النزاع. على الرغم من إدراج إسرائيل على "قائمة العار" التابعة للأمم المتحدة للدول المنتهكة لحقوق الأطفال، إلا أنّ التحركات الدولية تبقى غير كافية لوقف نزيف الدم الفلسطيني.
فالمجتمع الدولي، بحسب الهيئة الدولية "حشد"، يقف عاجزاً أمام استمرار جريمة الإبادة الجماعية، التي لم تعد تُخفيها إسرائيل، بل تتباهى بها عبر تصريحات مسؤوليها وتغطيتها الإعلامية الممجّدة للعنف.
وتطالب "حشد" الأمم المتحدة والدول الموقّعة على اتفاقيات جنيف واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية بالتحرك العاجل لفرض عقوبات دولية على إسرائيل، ومحاكمة قادتها عسكرياً وسياسياً أمام المحاكم الدولية، فضلاً عن فتح تحقيقات مستقلة في جرائم الحرب المرتكبة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كم طفلاً آخر يجب أن يموت، وكم عائلةً يجب أن تُدفن تحت الركام، قبل أن يتحرك العالم؟ إنّ صمت المجتمع الدولي ليس فقط فشلاً أخلاقياً، بل تواطؤاً مباشراً في استمرار هذه الجريمة.
فالاتفاقيات الدولية تتحوّل إلى حبر على ورق إذا لم تُرفَق بإرادة سياسية حقيقية لإنفاذها.
أطفال غزة، الذين يحملون أحلاماً بسيطة بالحياة واللعب والتعليم، يُذبحون يومياً بينما العالم ينشغل بخطابات الإدانة التي لا تُترجم إلى أفعال. التاريخ سيسجّل، ولن يغفر للذين وقفوا متفرجين أمام أبشع عملية إبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين.