غزة – زينب الطهراوي: تتفاقم معاناة الغزيين على الصعيد الإنساني مع توالي أيام الحرب واستمرار الاحتلال الإسرائيلي في تجفيف مقومات العيش الأساسية والتضييق الممنهج من أجل خلق بيئة طاردة للحياة في قطاع غزة.
فمع قرار عودة الاحتلال لاستكمال حربه الوحشية ضد القطاع، زادت حدة العدوان الإسرائيلي على المناحي الخدماتية، وأبرزها قطع إمدادات الطاقة الكهربائية لمحطات تحلية المياه القليلة التي استطاعت توفير مياه الشرب ولو بكميات شحيحة للغزيين المكتوين بنار الحصار الخانق، مما سبب كارثة صحية وإنسانية جديدة تضاف إلى رزمة الويلات التي يعيشها سكان القطاع.
مشاكل كبيرة بدأت بالظهور بالتزامن مع زيادة النقص الحاد في مياه الشرب، واضطرار الأهالي للاعتماد على مصادر غير آمنة وزاخرة بالتلوث للحصول على حاجتهم من المياه، ومنها شيوع أعراض المغص الكلوي الذي زادت أعداد المصابين به بنسبة كبيرة منذ توقف محطات تحلية المياه عن العمل.
تشرح سلمى الكيلاني، 32 عاماً من شمال قطاع غزة "منذ بداية الحرب ظهرت مشكلة الحصول على مياه نظيفة للشرب، خاصة مع توالي موجات النزوح وتوقف عديد محطات التحلية عن العمل، إما بسبب القصف الإسرائيلي أو بسبب انقطاع التيار الكهربائي وعدم وجود مصادر للطاقة اللازمة لتشغيل المحطات، مما أجبرنا لقطع مسافات طويلة دوماً من أجل الحصول على جالون واحد من مياه الشرب".
وتكمل الكيلاني "ورغم صعوبة الأوضاع ما قبل الهدنة السابقة، إلا أن الأمور ازدادت سوءًا بشكل كبير مع عودة الحرب، فحتى المسافات الطويلة التي كنا نضطر لقطعها من أجل الحصول على جالون مياه باتت رفاهية غير متاحة، فلا مكان أصلاً يوجد فيه مصدر للحصول على مياه الشرب حتى نسير إليه".
وفي ظل هذا النقص الحاد في مياه الشرب، واضطرار الأهالي إلى الاعتماد على مصادر ملوثة للحصول عليها دون معالجتها، وبكميات أقل بكثير من الحاجة اليومية للإنسان، شاع بين الغزيين أمراض ناتجة عن نقص وتلوث المياه، أبرزها المغص الكلوي، الذي تتراوح أعراضه بين ارتفاع درجة الحرارة والقشعريرة والقيء والغثيان، وصولاً إلى خروج الدم مع التبول (البيلة الدموية) الأمر الذي يؤشر بأن صحة الكلى في تدهور شديد.
وتقول الكيلاني "لا يكاد أشفى أنا وأطفالي من أعراض مرض من أمراض التلوث ونقص الغذاء والمياه حتى نصاب بنوبة جديدة من المرض، آخرها المغص الكلوي المستمر بلا انقطاع، دون أي فرصة للحصول على رعاية طبية كافية، بسبب دمار معظم المستشفيات والمراكز الطبية، وفي حال وصلنا إلى إحداها، فإننا لا نجد فيها أي أدوية أو مستلزمات طبية للعلاج".
ويشير الدكتور خليل الدقران، الناطق باسم وزارة الصحة، إلى أن المياه الملوثة وغير صالحة للشرب يمكن أن تؤدي إلى مضاعفات خطيرة لا تقف عند حد المغص الكلوي، بل يمكن أن تؤدي إلى تلف الكلى بالكامل، وتحول المرض إلى مزمن يلزم صاحبه الخضوع إلى جلسات الغسيل الكلوي، مما يشكل خطراً كبيراً يضاف إلى جملة المخاطر التي تهدد حياة الغزيين.
ويؤكد الدقران أن أحد أبرز أسباب الكارثة الصحية التي يعاني منها قطاع غزة هو عدم التزام الاحتلال بتعهداته الواردة في البروتوكول الإنساني لصفقة وقف إطلاق النار في يناير الماضي، وأبرزها عدم السماح بدخول الأجهزة والمستلزمات الطبية والأدوية وغيرها، وما سمح بمروره لا يتجاوز نسبة 15% من إجمالي الكمية المقررة في الاتفاق، علاوة على أن معظم ما وصل منها كان عبارة عن أدوية غير أساسية.
وطالب الدقران المجتمع الدولي والمنظمات الدوليه وكل احرار العالم بالضغط على الاحتلال لوقف هذا العدوان اولا وفتح جميع المعابر وإدخال المستلزمات الطبية الإغاثية وإدخال الوقود اللازمه لتشغيل المستشفيات وإدخال المعدات الطبيه اللازمه وإدخال معدات لحفر الآبار لاستخراج مياه صالحة للشرب.
وذكرت تقارير صادرة عن منظمات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من الغزيين محرومين من الحصول على مياه للشرب، مما يشكل كارثة صحية وبيئية تستوجب تحرك دولي عاجل لإنقاذ الوضع الإنساني في قطاع غزة، وإجبار إسرائيل على السماح بدخول المساعدات الإنسانية وتشغيل المرافق الخدماتية المنقذة للحياة كمحطات تحلية المياه، وتحييد هذه المنشآت من وطأة القصف والتخريب نتيجة الأعمال العسكرية للحرب.