وماذا بعد؟!
وماذا بعد؟!
الكوفية نعرف أن ارتفاع أسعار المحروقات ليس قرارا فلسطينيا بالكامل، وأن السوق الفلسطينية مرتبطة بالسوق الإسرائيلية وبأسعار النفط العالمية ، وأن الحكومة أعلنت عن دعم إضافي بقيمة عشرة ملايين شيكل خلال شهر تشرين الأول ، للحد من ارتفاع أسعار المحروقات والتخفيف من الضغوط المعيشية على المواطنين .
لكن ، وماذا بعد؟! السؤال الذي ينتظر الناس إجابته ليس فقط: لماذا ارتفع سعر البنزين والسولار؟ السؤال الأهم : كيف ستعززون صمود الناس والموظفين والعمال في مواجهة ما هو أكبر من سعر لتر الوقود ؟ .
ماذا نقول للفقر؟ ماذا نقول للجوع؟ ماذا نقول للبطالة؟ ماذا نقول للعامل الذي فقد عمله ، ولصاحب الورشة التي تراجعت أعمالها ، وللسائق الذي يلتهم الوقود جزءا كبيرا من دخله، وللموظف الذي ينتظر راتبه ولا يعرف متى يأتي؟ .
وماذا نقول للموظفين الذين لم تعد المشكلة عندهم في قيمة الراتب فقط ، بل في غيابه وعدم انتظامه، وفي قدرته على الوصول إلى نهاية الشهر؟ .
حين يرتفع سعر السولار إلى 8.99 شيكل ، لا يرتفع سعر الوقود وحده. ترتفع كلفة النقل والإنتاج والزراعة والخدمات ونقل البضائع ، وكل شيء يتحرك على عجلات . وفي النهاية ، يدفع المواطن فاتورة الارتفاع من جيبه المثقوب ؛ مرة عند محطة الوقود ، وأخرى في أجرة المواصلات، وثالثة في سعر الخضار والخبز والسلع والخدمات .
ولهذا ، فإن دعم المحروقات بعشرة ملايين شيكل ، مهما كانت أهميته ، لا ينبغي أن يكون نهاية الحكاية ، بل بداية التفكير في حزمة أوسع لحماية الناس .
لماذا لا تفتح الحكومة نقاشا جديا حول الأدوات المالية والضريبية التي يمكن استخدامها ، ولو بصورة مؤقتة واستثنائية، لتخفيف العبء عن المواطنين والقطاعات الأكثر تضررا ؟ .
لماذا لا تراجع بعض الضرائب والرسوم على المحروقات في هذه الظروف العصيبة؟ ولماذا لا يكون هناك تخفيض مؤقت لضريبة القيمة المضافة ، أو تخفيف للأعباء المرتبطة بالمحروقات، بحيث يشعر المواطن مباشرة بأن حكومته تقف إلى جانبه في هذه الأزمة؟ .
وإذا كانت الحكومة تستطيع تقديم دعم مباشر للمحروقات ، فلماذا لا يمتد الدعم إلى القطاعات التي تتحمل العبء الأكبر من ارتفاع السولار: النقل ، والزراعة ، والصناعات الصغيرة ، وأصحاب المهن، والعمال الذين يرتبط رزقهم بالحركة اليومية؟ .
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يشعر المسؤول فعلًا بما يشعر به المواطن عندما يرتفع سعر الوقود؟ . المواطن الذي يحسب كل شيكل في نهاية الشهر ليس كمن تتحرك مركبته الرسمية على حساب المؤسسة ، ولا يدفع ثمن الوقود من جيبه . ولهذا ، فإن العدالة في توزيع أعباء الأزمة تقتضي أن تبدأ إجراءات التقشف وترشيد الإنفاق من أعلى الهرم ، وأن يشعر الجميع بوطأة الأزمة ، لا أن يتحمل المواطن وحده فاتورتها .
ولماذا لا نعيد النظر ، في هذه الظروف، في الرسوم والضرائب المفروضة على السيارات الكهربائية ؟ إذا كنا نريد من المواطن أن يتجه إلى وسائل نقل أقل استهلاكا للوقود ، فمن غير المنطقي أن تكون كلفة الانتقال إليها عائقًا إضافيًا أمامه .
نحن لا نطلب من الحكومة أن تتحكم بسعر النفط العالمي ، ولا نطلب منها أن تفعل ما هو خارج قدرتها . بل نطلب منها أن تستخدم ما تستطيع استخدامه : أن تخفف الضرائب مؤقتا ، وأن تحمي النقل والإنتاج ، وأن تدعم العمال وأصحاب المهن الصغيرة ، وأن تحمي الموظف الذي ينتظر راتبه ، وأن تراجع نفقات المؤسسات الرسمية ، وأن تضع خطة واضحة للصمود الاقتصادي والاجتماعي ، لا أن تكتفي بإعلان سعر جديد للمحروقات كل شهر .
الناس لا تعيش على البيانات ، والموظفون لا يسددون التزاماتهم بالتصريحات ، والعمال لا يشترون الخبز بالدعم المعنوي .
الصمود ليس كلمة تقال في البيانات الرسمية. الصمود سياسة اقتصادية واجتماعية يشعر بها الناس في جيوبهم ، وفي بيوتهم، وفي قدرتهم على الذهاب إلى أعمالهم، وشراء الخبز والدواء ، ودفع أجرة المواصلات .
أليس هذا وقت سماع صوت صندوق الاستثمار الفلسطيني، والصندوق القومي الفلسطيني، وأصحاب المليارات والملايين من الفلسطينيين؟ أليس هذا وقت أن تتحول الإمكانات المالية الفلسطينية إلى جزء من معركة الصمود ، وأن يشعر الناس بأن من يملكون الكثير يقفون إلى جانب من لا يملكون إلا قوت يومهم؟ . إذا لم يكن هذا وقت التضامن المالي وتحمل المسؤولية الوطنية، فمتى سيكون وقته؟ .
وماذا بعد ؟! هنا بلد تحاصره المجاعة والفقر والبطالة والفساد وغياب العدالة والظلم . هنا وطن يستبيحه محتل استيطاني إحلالي، يقضم الأخضر واليابس. هنا أرض تُصادر، وقرى وبلدات وبيوت تُحرق وتُدمّر، وأشجار تُقطع .
هنا مواطن غلبان يقتل وهو يقف في أرضه ، أو جالس في منزله ، أو في مركبته . هنا بلد مقطّع ومقسّم إلى جزر و كانتونات ، وبوابات وحواجز . هنا وطن الخوف واللامبالاة والعجز . هنا فلسطين التي هربت حركتها الوطنية إلى أدغال الوظائف والامتيازات والمناصب والوزارات والسفارات . هنا الفراغ والموت والجنون . هنا مقابر الثوار والأسرى والشهداء . هنا طوابير المهاجرين وحقائب السفر . هنا قطاع غزة المدمر والمنهوب والمقتول . هنا فلسطين ، يا زعماء الوطن المصلوب .