نشر بتاريخ: 2026/08/22 ( آخر تحديث: 2026/08/22 الساعة: 13:12 )
عدلي صادق

مفارقات وأسرار محمد دحلان في مسعاه

نشر بتاريخ: 2026/08/22 (آخر تحديث: 2026/08/22 الساعة: 13:12)

الكوفية  

أربعة أطراف يعرفون حقيقة محمد دحلان: حماس وإسرائيل وعباس ومعظم الذين أطلوا على تجربة الرجل من داخلها!

سأحاول هنا، اللجوء للاختصار الشديد. فلكل طرف من هؤلاء، حكاية طويلة مع محمد دحلان. أما الجمهور الذي تعرضت بعض شرائحه للتضليل، فإن له حكاية أخرى لا يفسرها سوى عِلم النفس.

عناوين التضاد بين محمد دحلان والأطراف الثلاثة الأولى (حماس وعباس وإسرائيل) تزدحم بالمفارقات. ولنأخذ الأمر في الجزء الأول من هذه المذاكرة، بخصوص التضاد بين محمد دحلان وحركة حماس.

إن العلاقة بين الطرفين لا يصح اختزالها باستفهام إنكاري: "كيف كانت ضده، وتعللت به عندما نفذت انقلابها، ثم تلتقي معه اليوم؟ والجواب المختصر، لم يكن هناك تضاد مطلق، وإنما خلاف بين منهجين، تصاعد وانتهى بالقطيعة والتهاجي، ثم أعادته الكارثة الأخيرة، الى سيرته الأولى.

(هنا أنا لا افترض أن الأمر يتعلق بتحالف انتخابي، لأن لكل طرف منهما منهجيته ورؤيته المغايرتان، على مستويات المجتمع والحكم ووسائل الوصول إليه).

نقطة انطلاق وبدء تجربة كلٍ منهما، هي نفسها التي تحكم اليوم ما هو جديد في العلاقة بين دحلان وحماس، ويمكن اختصارها بكلمتين: ياسر عرفات بالنسبة لدحلان، وجماعة "الإخوان" بالنسبة لحماس.

في سياق هذه العلاقة مرت على أرض غزة، مياه كثيرة في مجرى النهر، حتى أوصلتنا الدروب بسبب الانقسام والتفرد، الى 7 أكتوبر 2023. وللأسف ازدهر على المدى الزمني لتلك المرحلة، الكثير من الأوهام، كان بعضها قد أخطأ في تقدير مدى ما يمكن أن يصل اليه العدو من إجرام وتجرد من الإنسانية، في حال تعرض جيشه للخزي المشهود. وتقديرنا أن هناك من المسهمين في إدامة الانقسام، طرف يتحمل أيضاً مسؤولية عن التسبب في 7 أكتوبر، إن لم يكن بمثل مسؤولية الشهيد السنوار عنه، فأقل قليلاً، لا سيما وأن السنوار أظهر ميلاً تصالحياً واضحاً. فلن يتغاضى المؤرخ عن موقف السنوار عندما ذهب الى أبعد ما يريده عباس في السعي الى مصالحة على الأسس الضامنة لاستعادة وحدة النظام السياسي، وكان يستطيع تنفيذ ما يقول ويأخذ حماس كلها الى خياراته، بالموافقة على على أن يكون عباس رئيساً توافقياً ثم الذهاب الى انتخابات عامة، حتى بقائمة واحدة، وأجزل الرجل المديح للشهيد الزعيم ياسر عرفات، وكان لذلك معناه في السياسة وفي الموقف الوطني. بالتالي لو حدث التصالح لم يكن 7 أكتوبر سيقع.

قبلها، كان لياسر عرفات، ونحن معه، مشروعة بعد انهيار النظام العربي على مستوى اصطفافه مع حركة التحرر الفلسطينية بتأثير حرب الخليج الثانية واحتلال العراق. وقد بدأ ومضى ذلك المشروع الذي خاض فيه ياسر عرفات اضطراراً، وانتهى الى الفشل، بسبب طبائع الصهيونية وغير الصهيونية، وأيضاً بسبب تناقض استراتيجيات العمل الفلسطيني نفسه، وتصادمه على الأرض، بكل صراحة.

في مصر ـ كمثال ـ كانت البلاد قد شهدت صعود تيار "الإسلام الأصولي" منذ بدايات سنة 1946 بعد نهاية الحرب العظمى الثانية، وقد حدث ذلك بتأثير حال اليأس الناجم عن تفاقم غطرسة بريطانيا المنتصرة في الحرب. وسرعان ما دخلت فكرة "الحكم الإسلامي" على الخط، في زمن قنوط، باعتبار أن الله سبحانه، هو الجبار القوي الذي كان وما يزال أقوى من المستعمر واقوى من الجبروت، وأنه بمجرد قيام فيالق على الأرض، وفي عمق المجتمع، لنصرة الدين ورب العالمين، سيكتشف الناس ويجدون ـ بمدد من السماء ـ طريقهم إلى النصر المبين!

كانت هذه الوصفة وما تزال، بلسم التسرية عن النفس لدى الذين ضاقت بهم الحياة وضاق الحكم. فهي التعويض المعنوي عن مشاعر الإحباط. وكلما اشتدت وترسخت قوة الأنظمة المتحالفة مع الاستعمارين القديم والجديد، ازداد ميل الناس لوصفة الدين، وأساسه الحق، بقطع النظر عن الذي يمتطي هذا الحق، وهو تنظيم بادر الى تأسيسه في مصر، رجلٌ لا هو مفكر ولا مُفسر. فهو محض خريج معهد معلمين متوسط، وناشط سياسي ولا يمكن مضاهاة كل مخرجاته الفكرية والدعوية (وملخصها ثلاثين رسالة خطابية تعبوية) بنصف صفحة من ألوف الصفحات التي كتبها في حياته أي إمام من الأئمة الأفذاذ في تاريخ الأمة الإسلامية، منذ مالك ابن أنس والشافعي وابن حنبل، مروراً بالجيلاني وداود الظاهري وابن قدامة المقدسي وابن الجوزي، وعز بن عبد السلام، وليس انتهاء بالنووي وابن تيمية وابن القيم والعسقلاني والهيثمي وغيرهم.

كان الجديد، بخلاف ما مر في مخرجات جميع الفقهاء الأفذاذ، أن الأمر يتعلق بحزب يسمي نفسه "جماعة" ويتعاطى السياسة، ليس بمفردات التاريخ والأصول الفقهية، وإنما بمعطيات الواقع واضطرابات المجتمع ومؤشرات الاستبداد والفساد، والمطامح إلى الغلبة في ساحات مأزومة!

من هنا، كان في تاريخنا المعاصر، رواج لفكرة ذلك الحزب بين الحيارى والمحبطين. ولا لوم في هذا على النفس المسضعفة. وعندما أصبح لهذا الحزب محور إقليمي يسانده، مع قنوات تلفزة، أصبح يكفيه أن يطلق حكماً ـ من بين أحكامه ـ على شخصية سياسية أو شخصية وطنية تاريخية، حتى يتفشى الحكم السلبي بين شرائح من الناس بغير قرائن، أو بقرائن منزوعة من سياقاتها، وإن وجدت القرائن المضادة، فليس أسهل من تسخيفها بأي كلام. فالموالون لا يدققون!

من هنا، نشأت مظلوميات لكثيرين من شخصيات الحاضر ومن شخصيات التاريخ، الذين جرى تكفيرهم وتخوينهم، وباتت الأحكام عليهم أشبه بالبدبهبات.

في العودة الى موضوعنا، وهو التضاد المفترض بين حماس والرجل الذي نتحدث عنه، لا تغيب عن أذهاننا مفارقات لا ينكرها إلا جاحد. فالذين أطلوا على تجربة محمد دحلان، يعرفون أن علاقات الرجل بكافة القادة الذي نهضوا بحركة حماس في بدايات تحققها على الأرض، كانت قوية وحميمة وفيها من الود والتساند ما ينسف فرضية البغضاء المطلقة ويدحض فرضية وجود عداء في العلاقة بين الطرفين. بل إن الفترة التي بدأت فيها مطاردة المحتلين لقيادات حماس، بهدف قتلهم، كان القادة يحتمون بأصدقائهم وإخوتهم من حركة فتح، الذين لم يقصروا في إعانتهم على التخفي حتى في بيوتهم. وفي تلك الوقائع، كان للمناضل الوطني سمير المشهراوي القدح المُعَلّى.

لكن تأجج أسباب التضاد، أنتج ظاهرة التهاجي المرير، وتلك ظاهرة كلما كانت تعلو وتيرتها، كان العقل يوضع جانباً، وتطوى الحقيقة والتفاصيل، وعندئذٍ ليس أسهل من إنكار الصُحبة والتجاوز عن شراكة الخبر والملح والسلاح. وفي المحصلة، تشكلت صيغة حكم تعسفي، على محمد دحلان، منزوع من أسبابه وسياقاته، ثم أصبحت هذه الصيغة ـ للمفارقة ـ هي التي استعارها محمود عباس بكل حذافيرها، وجعلها سرديته الوحيدة للدفاع عن تجربته التي يعرف الناس كل عوارها ويعرفون اليوم مآلاتها، بينما عباس نفسه، هو أكثر من يعرف، أن الواجب الوظيفي الذي أداه محمد دحلان، في محاولة جعل "اوسلو" طريقاً الى التسوية، لم يكن خياره هو، وإنما خيار الزعيم عرفات حسب رؤيته، وخيار محمود عباس نفسه وحسب هواه، بل يعرف هذا الأخير، أن محمد دحلان هو الذي أفشل في المباحثات الأخيرة مع إسرائيل، محاولتها فرض اتفاق أمني بدل السياسي الذي يؤمن الاستقلال الفلسطيني في أراضي احتلال 67 في مباحثات "واي ريفر" (1و 2 في 1998 و1999) و"كامب ديفيد الثانية" (صيف سنة 2000) وكان هو المفاوض الوحيد، بحضور الراحل أحمد قريع (أبو علاء) ومتابعة الزعيم عرفات، ولهذا الأمر حكاية أخرى طويلة.

يجري الحديث اليوم عن تحالف انتخابي يخوض المنافسه المفترض وقوعها. ويأخذ البعض على "تيار الإصلاح" وجوده في التحالف المفترض، بينما هذا التجمع في حال استكمال تشكله، توافقي وإنقاذي، يؤخذ بمثله في وقت الشدة، ولا علاقة له بمنطق الاندماج وتطابق الرؤى في أوقات الرخاء أو في صيغة الحكم. فهو صيغة ارتضتها فصائل ذات أيديولوجيا يسارية، بينما "تيار الإصلاح" لا يتبنى أيديولوجيات تُقاس عليها مواقفه. فالأصل في الموضوع أن الجميع سئم حكم الأمر الواقع، وبات يتطلع الى تعافي غزة واسترجاعها لتكون جزءاً من الضفة والقدس، تحت حكم ديموقراطي رصين تتوافر له الشروط الدستورية، ويُعلي ـ بمشاركة الجميع ـ من شأن الورقة السياسة الفلسطينية التي تجعلنا نقف باقتدار، على الحلبة الدولية، أمام محاولات القوى العنصرية الظلامية الصهيونية، السيطرة على الضفة وضمها. وبالقدر الذي يخطيء فيه من يتجاهلون وجود موالين لحماس في الوطن وفي الشتات؛ يخطيء أيضاً من يعتقدون أن حماس ستتبخر من تلقاء نفسها، في حال تحولت الى طيف سياسي وطني يشارك مع الآخرين في تأمين الحكم الذي يتوخاه الشعب الفلسطيني. إن منطق الاستبعاد بالإكراه لن يؤدي إلا لنتائج سلبية تفاقم الحال الفلسطينية التي تعاني اليوم، بتأثير دسائس العدو ومشاعر الإحباط، من ظواهر سلبية وعنفية ونزعات عشائرية وسلاح يُشهر عند أقل احتكاك.

محمد دحلان، تعامل مع وقائع صعبة وحقق اتصالاً لطلب النجاة، طالما أن ما يراد لنا هو الفناء. ذات يوم، في مايو سنة 1971 كان كاتب هذه السطور، مع زملائه، داخل زورق شبه محطم في أعالي البحر، استحال عليه الوصول الى محطته الأخيرة على شاطيء غزة. بعد خمسة أيام، ظل الفدائيون ينتظرون أي طرف يُلقي القبض عليهم لكي لا يموتوا غرقاً، ولا مجال لسرد باقي القصة. ليس أجدى، عند التفكير في المصائر، من التعامل مع الواقع كما هو.

منذ فترة سقطت الخزعبلات المنذورة للنيل من محمد دحلان. ليس فقط لأن أمام كل ذميمة يزعمونها عن الرجل، ذميمة حقيقية من جنسها، يمارسها من يخاصمونه وهي مشهودة، بخلاف الأسوأ المُخبأ. كان الأجدر بهؤلاء ان يبتلعوا ألسنتهم.