نشر بتاريخ: 2026/08/17 ( آخر تحديث: 2026/08/17 الساعة: 23:59 )

ثمن التردد الإسرائيلي في غزة

نشر بتاريخ: 2026/08/17 (آخر تحديث: 2026/08/17 الساعة: 23:59)

الكوفية إن قطاع غزة أصبح مجدداً الساحة المركزية لـ"حرب النهضة" في الأسابيع الأخيرة، لأن هناك أسئلة كثيرة باتت تُطرح: ما هو شكل مستقبل القطاع، ومَن سيقرره: إسرائيل، أم الولايات المتحدة؟ قبل البحث عن إجابات لهذه الأسئلة المعقدة، علينا العودة إلى الوراء قليلاً، إلى بداية الولاية الثانية للرئيس ترامب؛ فمنذ بداية ولايته، تغيّرت السياسة الأميركية تجاه الحرب بالكامل، إذ مُنحت إسرائيل، عملياً، "شيكاً مفتوحاً" لفعل ما يلزم في قطاع غزة، من دون القيود والكوابح التي اعتدناها في السابق؛ سابقاً، قال ترامب نفسه: "إذا لم تُعِد "حماس" جميع الرهائن الذين تحتجزهم بحلول ظهر يوم السبت، فستُفتح عليها أبواب الجحيم."

أمّا إسرائيل، فأصرت على عدم "استغلال" هذا الائتمان التاريخي، واستمرت في سياسة الصفقات الجزئية التي أبقت لـ"حماس" قوة وتأثيراً، إلى أن تم توقيع اتفاقٍ، هدفه إنهاء الحرب، بثمن باهظ تمثّل في إطلاق سراح معتقلين فلسطينيين، الأمر الذي أدى، في نهاية المطاف، إلى إطلاق سراح جميع الرهائن.

يجب أن أقول بصدق إنني لم أؤمن، ولو للحظة، بأن "حماس" ستطلق سراح جميع الرهائن وتتخلى عن السلاح الأغلى الذي كان في حيازتها؛ لذلك، يُعتبر نجاح الاتفاق في إطلاق سراحهم جميعاً إنجازاً تاريخياً ومهماً، لكن إلى جانب هذا الإنجاز، تحقق في هذه الأيام كثير من سيناريوهات الرعب التي كنت أخشاها آنذاك.

إسرائيل تلتزم الاتفاقات، و"حماس" تستمر في ألاعيبها

إن خطة "النقاط الـ15"، التي أعلنها الرئيس ترامب و"مجلس السلام" قبل بضعة أسابيع، مهمة للغاية، لكن نشأ وضع إشكالي جداً: إسرائيل تفي بالتزاماتها في إطار الاتفاقات، وأوقفت عمليات الاغتيال والاستهدافات والهجمات الاستباقية، بينما تستمر "حماس" في وضع العراقيل وممارسة الألاعيب.

تطالب "حماس" بانسحاب إسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل قبل نزع سلاحها، وتتحدث عن تخزين السلاح، بدلاً من تفكيكه بالكامل وتجريد القطاع من السلاح، بل تطرح أيضاً إمكان تسليم السلاح لجهة فلسطينية داخل القطاع؛ إذا قُبلت هذه المطالب، فستبقى "حماس" صاحبة السيادة في غزة.

وقال رئيس الحكومة نتنياهو في الأسبوع الماضي إن إسرائيل ترفض وثيقة النقاط الـ15، ولن يتم الانسحاب قبل نزع سلاح "حماس" وتجريد القطاع بالكامل من السلاح، لكن هناك فجوة مُقلقة ما بين التصريحات والواقع على الأرض.

قبل أيام، تسلل مسلحون من "حماس" إلى منطقة "الخط الأصفر"، واستولوا على وسائل قتالية تابعة للجيش الإسرائيلي، ولم يُسمح لقواتنا بإفشال العملية، وإذا لم يكن هذا كافياً، اختارت قيادة المنطقة الجنوبية حجب المعلومات المتعلقة بالحادثة عن القيادة العليا والمستوى السياسي. إن مثل هذا السلوك في قطاع غزة هو بالضبط من السلوكيات التي أدت إلى "مجزرة" السابع من أكتوبر.

ثمن انعدام الحسم

إن مسألة "مجلس السلام" برمتها هي، إلى حد كبير، نتيجة لغياب الحسم الإسرائيلي بشأن مستقبل الجبهة الغزية؛ فمنذ الأشهر الأولى للقتال، كان يتعين على المستوى السياسي القول بوضوح: إننا نفرض حكماً عسكرياً إسرائيلياً موقتاً في القطاع، إلى أن يتم تفكيك "حماس" بالقوة وضمان ألّا تشكل تهديداً لإسرائيل بعد الآن. كان يمكن لهذه الخطوة أن تمنع جزءاً كبيراً من "السيرك" الدولي الذي نشهده اليوم، ومن الثمن الباهظ الذي ندفعه بسببه.

فالدولة التي تشن حرباً يجب أن تعرف أيضاً كيف تنتصر فيها، ولا يمكنها أن تضع مستقبلها في أيدي سلسلة لا تنتهي من الاتفاقيات والوسطاء واللجان والمجالس الدولية، في حين لا يزال العدو الذي تواجهه يمتلك قوة عسكرية وقدرة على تهديدها.

ماذا حدث لخطة الهجرة؟

هناك قضية أُخرى يجب التطرق إليها، وهي الفشل الكامل في الدفع بخطة الهجرة الطوعية لسكان غزة إلى الأمام؛ إذ تحدث ترامب كثيراً عن الهجرة الطوعية وبناء "ريفييرا" في غزة، لكن إسرائيل لم تفعل ما يكفي في تلك الفترة لمساعدة الأميركيين على تنفيذ هذه الخطة الطموحة.

ويكرر رئيس الحكومة القول إنه لا توجد دولة مستعدة لاستقبال سكان غزة. ربما يكون ذلك صحيحاً، لكن اسمحوا لي بطرح احتمال آخر: إذا كان رئيس الحكومة يريد حقاً الدفع بالخطة إلى الأمام، فكان عليه الضغط على الدول التي تربطها علاقات جيدة بإسرائيل، لكي تفتح أبوابها أمام سكان غزة، في مقابل تقديم حوافز سياسية، أو اقتصادية، أو غيرها. هل كان من المستحيل حقاً، على سبيل المثال، أن تطالب إسرائيل أرض الصومال بفتح أبوابها أمام عدة آلاف من سكان غزة، في مقابل اعتراف إسرائيل التاريخي بها؟

عندما يريد رئيس الحكومة تحقيق أمرٍ ما على الساحة الدولية، فهو يعرف كيف يفعل ذلك، وأنا مقتنع بأنه لو كانت الخطة في مقدمة الأولويات، لكان من الممكن إيجاد طرق للتعامل مع جزء كبير من العقبات.

غزة ليست قدراً محتوماً

غزة ليست قدراً محتوماً، إنها أرض معادية، وعلينا حسم التهديد المنبعث منها، لكن هذا الحسم لن يتحقق عبر الاتفاقيات، والدبلوماسية التي يمارسها أصحاب البدلات الرسمية، ووثائق المبادئ، بل سيتحقق فقط بالقوة والحزم والعزم.

يجب على "حماس" دفع ثمن استراتيجي باهظ في مقابل السابع من أكتوبر، وببساطة، هذا لا يحدث في الوقت الحالي.

حان الوقت لاستعادة الوعي؛ لقد سئمنا من أوهام الأمن والسلام، ونطالب بالأمن الكامل