نشر بتاريخ: 2026/07/13 ( آخر تحديث: 2026/07/13 الساعة: 10:44 )
نسرين موسى

"دار يا دار"... حين تتحول الأغنية إلى فوبيا

نشر بتاريخ: 2026/07/13 (آخر تحديث: 2026/07/13 الساعة: 10:44)

الكوفية كنت في عمرٍ مبكر، وكلما رأيت حفرةً مغطاة بقطعة بلاستيك، تنتابني حالة من الهستيريا والذعر. كنت أعبرها، لكنني أتخيل أن كل عابر بعدها سيسقط فيها ويختفي إلى الأبد، كأن الأرض ابتلعته ومحَت أثره.

يومها أدركت أنني أصبحت أعاني فوبيا الحفر.

ثم جاءت فوبيا الأماكن المرتفعة؛ كلما انقطع التيار الكهربائي واضطررت إلى صعود أحد عشر طابقاً وسط ظلامٍ كثيف، كنت أشعر أن أنفاسي تُنتزع مني درجةً بعد أخرى، وأن الجدران تضيق حولي حتى أكاد أختنق.

ظننت أن قائمة مخاوفي اكتملت، حتى اكتشفت أن للحرب قدرةً خارقة على اختراع فوبيا لم يكتبها علم النفس بعد.

أصبحت أخاف من أغنية.

نعم... من أغنية.

"دار يا دار"، بصوت الفنان وديع الصافي، وكلمات الشاعر حسين السيد.

كلما سمعتها في الطريق، أو انبعثت من سيارة أستقلها، أو تسللت من هاتف أحدهم، ينتابني وجع لا أعرف كيف أصفه؛ يتسارع نبضي، ويثقل صدري، وكأن الكلمات لا تُغنّى، بل تُلقى فوق قلبي كحجارةٍ ساخنة.

أصبحت كلماتها هي الفوبيا؛ لأنها لا تستحضر في ذهني بيتاً، بل خيمة.

لا تعيدني إلى دارٍ دافئة، بل إلى قماش خيمة يشتعل صيفاً ويتجمد شتاءً، إلى بؤرة النار التي أعيش فيها، وإلى حياةٍ لا تشبه الحياة.

وحين أشعر أن الأغنية بدأت تفتك بي، أحاول مقاومتها بطريقة غريبة؛ أرددها بصوت مرتفع، أو أتمتم بها، وكأنني أواجهها بها نفسها، علّها تفقد قدرتها على تمزيقي.

لكنها تنتصر في كل مرة.

تعيدني إلى خيمتي التي حلت مكان بيتنا الجميل؛ ذلك البيت الذي كان ممتلئاً بكل تفاصيل الحياة، ثم صار رماداً، وتناثرت ذكرياته كما تناثر جسد مزقته الصواريخ.

وتذكرني بأنني، مهما طال مشواري، سأعود آخر النهار إلى الخيمة.

لم يعد لي دار.

لم تعد الكلمة تعني الجدران والنوافذ؛ أصبحت تعني موقد النار في الخيمة، وأدوات الحياة البدائية، ومحاولاتي اليومية لإقناع نفسي بأنني قوية، وأن التعايش مع هذا الواقع بطولة، بينما الحقيقة أنه يستنزفني بصمت كل يوم.

الأغنية تعيد إليّ لمة العائلة وأحلامي مع زوجي، وضحكات أحبابي، وجلوس أمي في صالونها الواسع تتصفح مصحفها بهدوء، ومذياع أبي الذي كان يملأ البيت بالأخبار تتخللها الأغنيات، وصغارنا وهم يركضون ويلعبون بأمان، دون أن يخافوا من سماء، أو صاروخ، أو نزوح.

كم ترهبني هذه الأغنية! كم تبكيني!

راحوا فين حبايب الدار

لياليك كانت نور

داري الدمع يا عين.

كأن الأغنية لم تعد أغنية، بل أصبحت تقريراً عن حياتنا.

تفرق الأحباب، وكل واحد انتهى به المطاف في خيمة، أو في موجة نزوح لا تنته. وانطفأ النور في كل الأماكن، حتى بتنا ننام، ونجلس، ونحلم على العتمة. ولم تعد العين قادرة على مداراة دموعها، حتى خُيل إليّ أن الدمع تحول إلى دمٍ ينزف.

يا دار...

لم تسلبنا الحرب البيوت فقط، بل سلبت أرواحنا، وإنسانيتنا، وأخذت من أعمارنا أكثر مما أخذته الصواريخ.

سرقت شهيتي للحياة قبل الطعام، وجعلت الأيام تمر عليّ مجرد أرقام أعدها، لا حياة أعيشها.

حتى صلواتي تغيّرت؛ لم أعد أدعو إلا بالخلاص. الخلاص من الخيمة، أو من هذه الحياة التي أشعر فيها أنني عالقة بين فكي أسدٍ مفترس.

يا دار...

تسبق تنهيدتي حروفي كلما كتبت عنكِ. كنتِ وطني الصغير، المكان الذي يحفظ فرحي كما يحفظ حزني.

كنتِ الأمان.

أما اليوم، فأنا أعيش في خيمة تفترسني كل يوم، ولم أعرف فيها حرفاً واحداً من الأمل.

كل حروفي فيها دموع.

يا دار...

تحول اسمكِ إلى فوبيا، تطاردني كلما مررتِ بخاطري، وكل مساء تزورينني دون استئذان، فأعود امرأةً تبحث في الذاكرة عن بابٍ لم يعد موجوداً.

لا تنسي أثري الذي استوطن جدرانكِ يوماً، حتى لو تناثر مع حجارتكِ.

ولا ضحكاتنا التي كانت تسكن زواياكِ، ولا رائحة الخبز، ولا صوت أمي، ولا مذياع أبي، ولا كل الذكريات التي تركناها معلقة على نافذة لم تعد موجودة.

إذا كانت الحروب تهدم البيوت، فإنها تهدم أيضاً قدرتنا على سماع أغنية دون أن نبكي.