العشرينية السوداء.. مسار الانقسام والتدمير إلى أفق النجاة
العشرينية السوداء.. مسار الانقسام والتدمير إلى أفق النجاة
الكوفية
جرحٌ ممتدٌّ على مدى عقدين من الزمن في واقع فلسطيني مأزوم، بدأت ملامحه تتشكل عبر محطات مفصلية أدخلت المشروع الوطني في نفق مظلم، استمر أكثر من عشرين عاماً وما زال مفتوحاً. وخلال هذه المرحلة، تحولت القضية الفلسطينية، في جانب كبير من مسارها السياسي، من مشروع للتحرر الوطني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي إلى حالة متواصلة من إدارة الأزمات المعقدة والمتراكمة.
ولفهم هذا المسار، لا بد من التوقف عند محطات ما قبل الانقسام، ولا سيما المرحلة الأخيرة من إدارة السلطة الفلسطينية بقيادة حركة "فتح"، وما رافقها من انتقال تدريجي من الاختلاف السياسي إلى حالة من الاستقطاب الحاد، وصولاً إلى تخوين الخصوم تحت سقف اتفاقية أوسلو، وما تبع ذلك من تصاعد غير مسبوق في مستويات التحريض الإعلامي والجماهيري.
ثم جاءت محطة الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وما أفرزته من نتائج سياسية كان أبرزها فوز حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة العاشرة. وقد أفضت التوترات السياسية والأمنية المتصاعدة لاحقاً إلى الاقتتال الداخلي، وانتهت بانقسام مؤسساتي وسياسي عام 2007 وسيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة، وهو ما كان له أثر عميق في بنية النظام السياسي الفلسطيني ومسار المشروع الوطني.
ومنذ ذلك التاريخ، ترسخت حالة الانقسام، وتكرست حالة من التفرد في إدارة الحكم، وانشطر النظام السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة بين سلطتين ومؤسستين ومشروعين سياسيين. وترافق ذلك مع سنوات طويلة من الحصار على قطاع غزة، وحروب وجولات عسكرية متتالية، وزحف استيطاني وتهويد في الضفة والقدس ألحقت خسائر بشرية ومادية هائلة، وأضعفت قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة التحديات المتراكمة.
ورغم محاولات المصالحة المتكررة، وما رافق بعض المراحل من آمال بحدوث انفراجة سياسية ومؤسساتية، ظل الانقسام قائماً، وظلت محاولات استعادة الوحدة الوطنية تراوح مكانها بين التفاهمات الجزئية والتعثر المتكرر.
ثم جاءت نقطة التحول الكبرى في تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع اندلاع الحرب الإسرائيلية وما تبعها من تداعيات استراتيجية وإنسانية وسياسية واسعة. وقد غيَّرت هذه الحرب ملامح المشهد الفلسطيني والإقليمي، وألقت بظلال كارثية على الواقع الإنساني والبنية المادية والاجتماعية والسياسية للشعب الفلسطيني.
وهنا تبرز الحاجة إلى الوقوف أمام المشهد الكارثي الراهن، ليس بهدف تسجيل الخسائر فقط، وإنما من أجل استخلاص الدروس والعبر والبحث عن طريق للخروج من هذه الحالة. فقد بات واضحاً أن استمرار الانقسام، وتغليب الحسابات الحزبية الضيقة، واستمرار إدارة الأزمة بالآليات ذاتها، لن يقود إلى استعادة المشروع الوطني أو حماية المجتمع الفلسطيني من مزيد من التدهور.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف ننجو؟
إن الخروج من هذه المرحلة يتطلب التفكير في بدائل استراتيجية عاجلة، وفي مقدمتها إنهاء الانقسام بصورة جذرية، وتجاوز المصالح الحزبية الضيقة، والاعتراف بأن الشراكة الوطنية ليست خياراً تكتيكياً مؤقتاً، وإنما ضرورة سياسية ووطنية، وصمام أمان للمجتمع والقضية معاً.
كما أن المرحلة الراهنة تستدعي إعادة بناء المرجعيات الوطنية، وتصحيح مسار منظمة التحرير الفلسطينية وتوحيد حركة فتح، بحيث تستعيد دورها باعتبارها مظلة وطنية جامعة لكل مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وقادرة على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي، وعلى إدارة الاختلاف ضمن إطار مؤسسي ديمقراطي.
ويقتضي ذلك أيضاً صياغة استراتيجية وطنية موحدة، تقوم على التوافق على برنامج سياسي ونضالي واضح، يوازن بين المتطلبات الإنسانية العاجلة، وضرورات حماية المجتمع وإعادة إعمار ما دمرته حرب الإبادة الإسرائيلية، وبين الرؤية الوطنية التحررية التي تحفظ جوهر القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
إن التحدي اليوم لا يتمثل فقط في إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما في إعادة بناء الثقة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية، وترميم النظام السياسي الفلسطيني، وفتح الطريق أمام شراكة حقيقية تتجاوز منطق الغلبة والإقصاء.
فالمسؤولية في هذه المرحلة لا يمكن أن تقع على طرف واحد، كما أن الخروج من الأزمة لا يمكن أن يتحقق بإرادة فصيل واحد. إن حجم المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني يفرض على الجميع مراجعة المسار السابق، والاعتراف بالأخطاء، وإعادة تعريف الأولويات على أساس حماية الإنسان الفلسطيني، وصون وحدته الوطنية، واستعادة القدرة على الفعل السياسي.
ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن نواجهه جميعاً اليوم ليس فقط: ماذا حدث؟ ومن يتحمل المسؤولية عن الماضي؟ بل: كيف نتحمل المسؤولية معاً من أجل المستقبل؟
فإذا كانت العشرينية الماضية قد كشفت حجم الانقسام، وأظهرت كلفة التفرد وغياب الشراكة الوطنية، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون فرصة لإعادة بناء البيت الفلسطيني على قاعدة الوحدة والشراكة والمؤسسات، حتى يصبح الخروج من النفق ممكناً، وتتحول المأساة الراهنة من نهاية لمسار طويل من الانقسام إلى بداية لمسار وطني جديد.
إن النجاة ليست مجرد الخروج من آثار الحرب ولجم الاستيطان، بل استعادة القدرة على بناء مستقبل فلسطيني موحد، تكون فيه الشراكة الوطنية أساساً، والمؤسسات إطاراً، والمصلحة الوطنية العامة بوصلة للجميع؛ وصولاً لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.