حين تحترق الفتيلة.. يبكي الشمع وتحترق ذاكرة الإنسان
شريف الهركلي
حين تحترق الفتيلة.. يبكي الشمع وتحترق ذاكرة الإنسان
الكوفية «مالي أرى الشمعَ يبكي في مواقدِه
هل من حرقةِ النارِ أم فراقِ العسلِ؟»
بهذا السؤال الشعري الجميل، يضعنا إسحاق الغزي أمام صورة تتجاوز الشمع والنار إلى أعماق الإنسان. فالشمع هنا لا يذوب فقط، بل يبكي، والنار لا تحرق وحدها، بل تفتح أبوابًا للذاكرة، والعسل الذي غاب عن المشهد يبقى حاضرًا بوصفه رمزًا للحلاوة المفقودة.
ثم يأتي الشاعر السوري صالح الدمان ليواصل الحوار مع صورة الغزي، مستحضرًا الفتيلة؛ ذلك العنصر المتصل بالشمع، لكنه ليس من جنسه.
وهنا تكمن جمالية الصورة الشعرية.
فبين الشمع والفتيلة تقارب في المشهد ومخالفة في الطبيعة والوظيفة. كلاهما جزء من الشمعة، لكن لكل منهما مصيره؛ الشمع يذوب، والفتيلة تحترق، والنار تجمع بينهما في لحظة واحدة. أما العسل، فيبقى خارج هذا الاحتراق، لكنه يسكن الذاكرة باعتباره حلاوةً كانت ذات يوم، ثم أصبحت فراقًا.
ومن هذه الصورة الصغيرة يولد معنى إنساني كبير.
فالإنسان يشبه الشمع؛ قد يبدو ثابتًا أمام الآخرين، بينما يذوب من داخله. وقد تكون له فتيلة خفية تحمل النار إلى أعماقه: فقدٌ، أو فراق، أو حب قديم، أو ذكرى جميلة لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.
الفتيلة هنا ليست مجرد وسيلة لإشعال الشمع؛ إنها تتحول رمزيًا إلى صلة بين النار والذاكرة. تحترق كي يستمر الضوء، لكنها في الوقت نفسه تستهلك نفسها. وكذلك الإنسان، قد يمنح من روحه كي يضيء طريق الآخرين، ثم يكتشف أنه احترق بصمت.
وهنا تتسع دائرة الصورة؛ فالشمع والفتيلة والإنسان والذكريات ليست من جنس واحد، لكنها تلتقي في معنى واحد: الاحتراق.
الشمع يحترق فيفقد جزءًا من جسده، والفتيلة تحترق لتمنح النار حياة، والإنسان يحترق حين يفقد عزيزًا أو حلمًا أو مكانًا أو زمنًا جميلًا، أما الذكريات فتبقى شاهدة على ما احترق، كأنها رمادٌ لا تستطيع الريح أن تأخذه بعيدًا.
ولعلني، كأب، لا أستطيع أن أقرأ هذا المعنى دون أن أتذكر ساري؛ ابني الذي رحل شهيدًا، وبقي في القلب كذكرى لا تعرف الانطفاء. رحل الجسد، لكن صورته لم ترحل، وبقيت تفاصيله الصغيرة تضيء في الذاكرة كلما ظننت أن النار خمدت.
هنا أفهم أكثر سؤال الغزي: لماذا يبكي الشمع؟
فبعض الدموع لا تكون من حرقة النار وحدها، بل من فراق من أحببناهم، ومن أشياء جميلة أحرقتها الأيام ولم تستطع الذاكرة أن تحرقها معها.
فالشمع ليس وحده من يبكي، والفتيلة ليست وحدها من تحترق. نحن أيضًا لنا فتائلنا الخفية، ولنا نيراننا التي لا يراها أحد؛ ولنا ذكريات حلوة قد تحترق أمام أعيننا، ثم تبقى في القلب، لا كرمادٍ يطفئها الزمن، بل كنورٍ خافت يذكّرنا بما كان ذات يوم.
وربما لهذا يبقى الشعر حيًا؛ لأنه لا يكتفي بأن يصف دمعة الشمع، بل يجعلنا نكتشف دمعتنا نحن.