للمرة الاربعين غدا سنوقع الاتفاق مع ايران....!!؟؟!!
د. زياد سعد
للمرة الاربعين غدا سنوقع الاتفاق مع ايران....!!؟؟!!
الكوفية في هذا المشهد الذي يقترب من تخوم الأسطورة السياسية ويبتعد عن برود الوقائع اليومية تبدو الجملة وكأنها خرجت من فم التاريخ نفسه لا من منصة خطاب سياسي عابر تتكرر لا كخبر ...
بل كطقس
لا كتصريح بل كنبض يتردد في جسد السياسة الأمريكية حتى باتت بعض الشاشات لا تكتفي بنقلها
بل تشرع في عدها كما يُعد الصلوات القديمة في معابد الذاكرة
هل قيلت ثمان وثلاثين مرة أم أربعين كما يصر المحلل السياسي الإيراني أحمديان وهل للرقم هنا قيمة إحصائية أم أنه مجرد قناع يخفي ما هو أعمق من الأرقام....!!؟؟!!
لكن الجملة في جوهرها لم تعد جملة بل أصبحت ظاهرة لغوية سياسية تتجاوز حدود التفسير التقليدي
فهي ليست وعداً فقط
وليست تهديداً فقط
وليست دعاية فقط
بل هي خليط ملتبس من كل ذلك حتى باتت أقرب إلى أسطورة حديثة تُروى في زمن الإعلام السريع
وتُستهلك
ثم تُعاد صياغتها
كأنها لم تُقل من قبل...
أهل اللغة حين ينظرون إليها لا يرون فيها مجرد تكرار ممل بل يرون فيها احتمالين
أحدهما.....
أن التكرار هنا هو أداة بلاغية لتثبيت المعنى في الوعي العام
والآخر....
أن التكرار حين ينفلت من سياقه يتحول إلى فراغ دلالي يعيد إنتاج نفسه بلا مضمون حتى يصبح المعنى
تابعاً للعدد لا للكلمة...
وايضا يرون في التكرار مرة أنه ظل المعنى
ومرة أخرى أنه جسده الثاني
فهو إن جاء في موضعه كان موسيقى تثبّت الفكرة كالنقش على حجر
وإن انفلت من سياقه
صار كمن يسكب الماء على الماء حتى يذوب المعنى في نفسه ويتلاشى كدخان بلا نار....!!؟؟!!
أما في عالم السياسة....
فإن القراءة لا تقف عند حدود البلاغة بل تتشعب
إلى خرائط معقدة من التأويل
فهناك من يراه ضغطاً تفاوضياً محسوباً يهدف إلى دفع الطرف الآخر نحو زاوية ضيقة
وهناك من يراه إدارة مقصودة للضباب السياسي بحيث يبقى الجميع في حالة انتظار
وهناك من يعتبره مجرد دعاية انتخابية ممتدة تستهلك لحظة الأمل أكثر مما تصنعه....
لكن ثمة قراءة أكثر قسوة وأكثر قتامة ترى
أن هذا التكرار ليس مجرد ارتباك لغوي أو عبث سياسي
بل هو إقامة حجة متكررة
ومقصودة تقول إن كل الطرق قد طُرقت
وإن كل الفرص قد قُدمت
وإن التعثر لم يكن في العرض
بل في الرفض المتكرر
من الطرف الآخر الذي يوصف
بالتعنت
أو التمرد
أو الانسحاب من منطق التفاهم....
وفي هذه القراءة يتحول التكرار إلى سجل اتهام غير مكتوب يُبنى بهدوء عبر الزمن حتى يصبح كل غد معلن شاهداً إضافياً على سردية جاهزة للتفسير السياسي لأي لحظة قادمة بما فيها اللحظات الأكثر حدة....
هنا تبدأ العبارة في اكتساب طابع آخر كأنها لم تعد تمهيداً لاتفاق
بل تمهيداً لفكرة أكبر من الاتفاق ذاته
فكرة أن العالم قد أُبلغ مراراً
وأن الصبر قد استُهلك
وأن الحجة قد اكتملت
وأن ما يأتي لاحقاً لن يكون مفاجأة بل نتيجة مؤجلة بلغة أُعلنت أربعين مرة قبل أن تُنفذ مرة واحدة....!!؟؟!!
وفي المقابل يتلقى المواطن الأمريكي هذا التكرار بين ضفتين ...
ضفة الأمل
وضفة الشك
فكل مرة يسمع فيها غدا سنوقع يشعر بقرب حل طال انتظاره ثم لا يلبث أن يكتشف أن الغد نفسه يتأخر كأنه يتهرب من الوصول....!!؟!!
أما المواطن الإيراني .....
فيقرأ الجملة كجزء من سردية ضغط طويلة النفس حيث لا تُطرح الكلمات بوصفها تفاوضاً فحسب بل بوصفها إعادة توزيع لمسؤولية التعثر بين طرفين
أحدهما يعلن قرب الاتفاق
والآخر يُتهم بالابتعاد عنه....
وفي الدوائر السياسية تتوزع القراءات
بين من يراها حنكة تفاوضية دقيقة
ومن يراها دعاية سياسية متكررة
ومن يراها إدارة ممنهجة للزمن السياسي
ومن يراها تمهيداً لصيغة أكثر حدة يتم فيها الانتقال من لغة الغد إلى لغة الفعل حين تُستنفد الكلمات ويبدأ ما بعدها.......!!؟؟!!
أما المواطن البسيط في أي مكان في العالم فيتلقى الجملة كصوت متكرر في خلفية المشهد السياسي لا يثير الدهشة بقدر ما يثير التساؤل لماذا لا يحدث ما يُقال ولماذا يُقال ما لا يحدث....
وهكذا تتقاطع اللغة مع السياسة مع التأويل مع الإعلام حتى تصبح الجملة كائناً مستقلاً يعيش خارج قائله ....
وخارج مستمعه
كأنها صارت هي السياسة نفسها لا مجرد تعبير عنها
ويبقى السؤال معلقاً...
بين الغباء والحنكة
بين الدعاية وإقامة الحجة
بين السياسة واللغة
ةهل نحن أمام وعد يتكرر لأنه لم يُنجز أم أمام خطاب يتكرر لأنه يُعد لشيء أكبر من نفسه أم أن التكرار نفسه صار هو الحقيقة الوحيدة في عالم لم يعد يميز بين ما يُقال وما يُفعل....!!؟؟!!