نشر بتاريخ: 2026/01/08 ( آخر تحديث: 2026/01/08 الساعة: 16:38 )
إدوارد كتورة

الإنسانية في زمن الحصار

نشر بتاريخ: 2026/01/08 (آخر تحديث: 2026/01/08 الساعة: 16:38)

غزة… حين تكلّم الفعل في الحروب الكبرى، لا يُقاس الوزن الحقيقي للفاعلين بحجم خطابهم، بل بقدرتهم على الفعل حين يصبح الصمت الدولي سياسة، والتجويع أداة حرب، والإنسان رقمًا فائضًا في نشرات الأخبار. هكذا بدت غزة خلال حرب طوفان الأقصى وما بعدها: مساحة منكوبة، محاصَرة بالنار والخذلان، تُترك عمدًا خارج معادلة “الاستجابة الإنسانية العادلة”.

وسط هذا المشهد القاتم، لم يكن العمل الإنساني ترفًا ولا نشاطًا إغاثيًا تقنيًا، بل فعلًا وطنيًا سياسيًا بامتياز. وهنا تحديدًا يبرز دور التيار الإصلاحي في حركة فتح في قطاع غزة، الذي اختار أن يكون حاضرًا حيث غابت المؤسسات، وأن ينحاز للناس لا للاصطفافات، وللإنسان لا للحسابات الضيقة.

حين تتحول الوطنية إلى خبز ودواء

ما قدّمه التيار الإصلاحي خلال الحرب لم يكن استعراضًا تنظيميًا، بل ترجمة عملية لمعنى الوطنية في زمن الانهيار. ففي ظل استهداف البنية التحتية، وانهيار القطاع الصحي، وشلل منظومة الإغاثة الرسمية، تحرك التيار بمرونة ميدانية عالية، معتمدًا على شبكة علاقاته المجتمعية، للوصول إلى من لم يعد يصلهم شيء.

إيصال الغذاء تحت القصف، وتأمين الدواء في ظل الحصار، ودعم العائلات التي أُبيدت بيوتها، لم يكن مجرد “مساعدة”، بل مواجهة مباشرة لسياسة العقاب الجماعي التي تُمارس بحق المدنيين في غزة، في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني. هنا يصبح العمل الإغاثي موقفًا سياسيًا أخلاقيًا، لا يقل أهمية عن أي بيان أو منصة دبلوماسية.

“الفارس الشهم”: نموذج عربي يستعيد معنى التضامن

في قلب هذا الجهد، برزت مبادرة “الفارس الشهم”، المدعومة إماراتيًا، بوصفها واحدة من أكثر المبادرات الإنسانية نضجًا وفاعلية خلال الحرب وما بعدها. لم تتعامل المبادرة مع غزة كملف عابر، ولا كقضية موسمية مرتبطة بزخم إعلامي، بل كمسؤولية إنسانية وأخلاقية مستمرة.

اللافت في “الفارس الشهم” ليس حجم الدعم فقط، بل فلسفة الدعم: سرعة في الاستجابة، ثقة بالفاعلين المحليين، وغياب كامل لمنطق الوصاية أو الاستثمار السياسي في المعاناة. هذا النهج يعكس فهمًا متقدمًا للدور الإنساني العربي، ويؤسس لنموذج مختلف، يرى في كرامة الإنسان الفلسطيني خطًا أحمر، لا ورقة تفاوض.

الدعم الإماراتي لهذه المبادرة أعاد الاعتبار لفكرة أن التضامن العربي الحقيقي لا يُقاس بكثرة الشعارات، بل بقدرته على الوصول إلى الناس في أصعب اللحظات، وباحترامه لاحتياجاتهم الفعلية لا المتخيلة.

ما بعد الحرب: معركة البقاء والكرامة

انتهاء العمليات العسكرية الواسعة لم يعنِ نهاية الحرب على غزة. فمرحلة ما بعد طوفان الأقصى كشفت حجم الدمار الاجتماعي والنفسي، وعمق الفجوة التي خلّفها غياب أفق سياسي واضح. هنا واصل التيار الإصلاحي، بدعم “الفارس الشهم”، دوره في الانتقال من الإغاثة الطارئة إلى تعزيز الصمود المجتمعي، في محاولة لوقف الانهيار الكامل للنسيج الاجتماعي.

هذا الاستمرار في العمل، بعيدًا عن الأضواء، يطرح مقاربة مختلفة للعمل الوطني: مقاربة ترى أن إعادة الاعتبار للإنسان هي المدخل الحقيقي لأي مشروع سياسي قابل للحياة، وأن المجتمع المنهك لا يمكن أن يكون حاملًا لقضية، مهما كانت عدالتها.

غزة كمرآة أخلاقية للعالم

غزة اليوم ليست مجرد جرح مفتوح، بل مرآة أخلاقية تعكس فشل النظام الدولي، وعجزه المتعمد عن حماية المدنيين، لكنها في المقابل تكشف أيضًا قدرة المبادرات المحلية المدعومة عربيًا على سد الفراغ الإنساني حين تتخلى القوى الكبرى عن مسؤولياتها.

تجربة التيار الإصلاحي في غزة، بالشراكة مع مبادرة “الفارس الشهم”، تقول بوضوح إن الوطنية ليست احتكارًا، وإن السياسة لا تُختزل في السلطة، وإن العمل الإنساني حين يكون نزيهًا ومنحازًا للناس، يصبح أحد أنقى أشكال الفعل السياسي.

في زمن الانقسام الفلسطيني، والتجاذب الإقليمي، يظل هذا النموذج تذكيرًا بسيطًا لكنه عميق الدلالة: الإنسان هو جوهر القضية، ومن يحميه يحمي فلسطين.

أما من يخذله، مهما علا صوته، فسيبقى خارج التاريخ… وخارج غزة.