في عالم يتأرجح بين الرأسمالية المطلقة التي تترك السوق يتحرك وحده، والأنظمة الموجّهة التي تتحكم الدولة فيها بكل شيء، ظهر نموذج أكثر توازنًا وواقعية: إنه "اقتصاد السوق الاجتماعي". هذا النموذج لا يُقصي أحدًا، ولا يجعل المال وحده هو الحاكم، بل يحاول أن يُحقق معادلة صعبة: أن يستفيد المستثمر من حرية السوق، وفي الوقت نفسه تُصان كرامة الإنسان البسيط وتُتاح له فرصة حقيقية للارتقاء.
الأساس بسيط: السوق حر، لكن ليس متروكًا ليأكل الضعيف فيه القوي. الدولة لا تُزاحم الناس في رزقهم، لكنها أيضًا لا تترك المحتكرين أو المتنفذين يقررون مصير المجتمع. دورها مثل الحكم في الملعب، لا يلعب مع فريق ضد الآخر، بل يحرص على أن تسير المباراة بنزاهة. تحفّز الشركات على الابتكار، لكنها تضع ضوابط تمنع الجشع. تضمن حرية السوق، ولكن تضع قوانين تحمي الضعفاء من السقوط.
وفي هذا النموذج، لا تكون العدالة الاجتماعية مجرّد توزيع مساعدات للفقراء كل شهر، بل تبدأ العدالة حين تُمنح الفرصة لكل فرد ليعتمد على نفسه. الشبكات الاجتماعية هنا لا تعني فقط إعانات مالية، بل منظومة ذكية تُعيد تأهيل العاطل عن العمل، وتدرب الشاب غير المتعلم، وتُعطي الأرملة فرصة للاندماج في دورة الحياة بدلًا من الاعتماد الدائم على المساعدة.
ومع تطور الزمن، لم يعد من المنطقي أن تتحمّل خزينة الدولة وحدها كل أعباء الدعم والرعاية. هنا جاءت الفكرة: لماذا لا نجعل من هذه الشبكات الاجتماعية صناديق استثمارية؟ تُدار بعقلية اقتصادية ولكن بأهداف اجتماعية. نستثمر في التعليم، في التأهيل المهني، في الرعاية الصحية، وكل عائد يُعاد ضخه لخدمة المجتمع. بهذه الطريقة نُحقق الاستدامة: لا نُرهق الميزانية العامة، ولا نقطع عن الناس الدعم الضروري، بل نخلق منظومة تعتني بالفرد وتدفعه في الوقت نفسه للاستقلال.
أما الشركات، فلم يعد مقبولًا أن تكتفي بالربح وتغض الطرف عن المجتمع من حولها. المسؤولية المجتمعية يجب أن تكون جزءًا من عملها، ولكن ليس عبر "تبرعات موسمية"، بل كجزء من خططها طويلة المدى. عندما توظّف شابًا من حيّ فقير، أو تدرّب طلابًا في مصنعها، فهي لا تُحسن فحسب، بل تبني مجتمعًا أكثر استقرارًا يعود عليها بالنفع في نهاية المطاف.
إنّ اقتصاد السوق الاجتماعي لا يعد الناس بجنة فورية، لكنه يفتح الطريق أمام كل من أراد أن يعمل ويجتهد. يُعطي الحرية، ولكن بحدود تضمن الكرامة. يفتح المجال للربح، لكنه لا يترك أحدًا خلف الركب. هو ببساطة محاولة لإنصاف الجميع: المستثمر، والعامل، والمواطن العادي.
ما نحتاجه هو حكومة تملك الإرادة لتكون منصفة لا متحيزة، قوية ولكن غير متسلطة، تحترم آليات السوق، وتدافع عن حق الإنسان في حياة كريمة. اقتصاد السوق الاجتماعي ليس حلمًا، بل مشروع قابل للتنفيذ، بشرط أن نُديره بعقل، ونتبناه كمنهج حياة، لا كشعار مؤقت