الانتخابات الفلسطينية: التنافس على إدارة الواقع أم تغييره؟
نشر بتاريخ: 2026/09/22 (آخر تحديث: 2026/09/22 الساعة: 23:07)

في الحالة الفلسطينية، لا يبدو السؤال الانتخابي محصورًا في هوية الفائز أو الجهة التي ستتولى إدارة المؤسسات. فالسؤال الأعمق يتمثل في طبيعة المهمة التي تنتظر أي قيادة فلسطينية: هل تقتصر على إدارة واقع سياسي وجغرافي فرضه الاحتلال والانقسام، أم تمتلك مشروعًا قادرًا على تغيير هذا الواقع وفتح الطريق أمام التحرر الوطني وإقامة الدولة؟

إن الفرق بين إدارة الواقع وتغييره ليس مجرد اختلاف في الشعارات، بل هو اختلاف في تعريف وظيفة السلطة، وحدود المسؤولية السياسية، ومعنى الشرعية التي تمنحها الانتخابات.

أولًا: إدارة الواقع… عندما تصبح السلطة غاية، تواجه السلطة الوطنية الفلسطينية تحديات تتعلق بمحدودية الصلاحيات، والقيود التي يفرضها الاحتلال، والأزمة الاقتصادية، وتراجع الثقة السياسية. وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يتحول العمل الحكومي إلى إدارة يومية للأزمات بدلًا من أن يكون جزءًا من استراتيجية وطنية للتغيير، ولا يعني ذلك أن إدارة شؤون المواطنين والمؤسسات مسألة هامشية؛ فحماية الخدمات العامة، وترسيخ القانون، ومكافحة الفساد، وضمان الحقوق، كلها مسؤوليات أساسية بدون شك، لكن الإشكالية تظهر عندما تنفصل الإدارة عن الهدف السياسي الأوسع، أو عندما تصبح المحافظة على المؤسسات أهم من إعادة النظر في وظيفتها الوطنية.

ثانيًا: تغيير الواقع… أي مشروع وأي أدوات؟ تغيير الواقع الفلسطيني يتطلب أكثر من تغيير أسماء المسؤولين أو إعادة توزيع المناصب. إنه يرتبط بمشروع سياسي وطني واضح، قادر على الربط بين مقاومة الاحتلال والدبلوماسية، والعمل الوطني والشعبي، وبناء المؤسسات، وتوحيد القرار الوطني، وفي ظل توسع الاستيطان الإسرائيلي، تزداد صعوبة الحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن توسع المستوطنات يهدد قابلية قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة وذات سيادة. 

لذلك، لا يكفي أن تقدم الاحزاب السياسية والقوى والشخصيات وعودًا بإدارة أفضل، بل ينبغي أن توضح كيف ستواجه التحديات التي تهدد الأرض والحقوق الوطنية، وما الأدوات الواقعية التي ستستخدمها لتحقيق أهدافها.

ثالثًا: الانتخابات والشرعية السياسية، أجريت الانتخابات المحلية الفلسطينية في 25 أبريل 2026، لكنها لم تحقق مشاركة ديمقراطية كاملة، بحسب تقييم مراحز عديدة الذين أشاروا إلى تأثير الحرب في غزة، والاحتلال، ومحدودية التنافس، وغياب الانتخابات الوطنية لفترة طويلة، وهنا يبرز الفرق بين الانتخابات بوصفها إجراءً مؤسسيًا، والانتخابات بوصفها وسيلة لإعادة بناء الشرعية السياسية.

فالشرعية لا تستمد من الاقتراع وحده، بل أيضًا من نزاهة العملية الانتخابية، واتساع المشاركة، وحرية التنافس، واحترام النتائج، وقدرة المؤسسات المنتخبة على تمثيل المواطنين ومساءلتها بشكل دائم.

رابعًا: وحدة القرار الوطني

ويبقى الانقسام الفلسطيني أحد أبرز العوائق أمام بناء مشروع سياسي موحد. فإدارة الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن رؤية وطنية مشتركة تتطلب معالجة الخلافات المتعلقة بالتمثيل السياسي، والسلطة التنفيذية، والأمن، وإعادة الإعمار، والعلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني،

في حزيران 2026، أُعلن عن تعديلات على قانون الانتخابات العامة، تضمنت زيادة عدد مقاعد المجلس التشريعي إلى 200، وخفض نسبة الحسم الانتخابي إلى 1%، وإجراءات لتعزيز تمثيل النساء والشباب. كما أُعلن عن ترتيبات مرتبطة بانتخابات المجلس الوطني. وجرى لاحقآ اجراء تعديل على ذلك ،

غير أن تعديل القوانين لا يحل وحده أزمة الانقسام أو يضمن التوافق السياسي. فالمطلوب هو إطار انتخابي يحظى بثقة القوى السياسية والمجتمع الفلسطيني، ويضمن مشاركة حقيقية وواسعة.

الخلاصة: الانتخابات كوسيلة لا كغاية، إن التنافس على الانتخابات الفلسطينية ينبغي ألا يُختزل في سؤال من سيحكم، بل في سؤال: ماذا سيفعل من يحكم؟

هل سيكتفي بإدارة ما تسمح به الظروف القائمة، أم سيعمل على تغيير شروط هذه الظروف؟ هل ستكون السلطة أداة لخدمة المواطن وتعزيز الصمود وبناء المؤسسات، أم ستبقى محكومة بحدود الواقع السياسي المفروض عليها؟

لا توجد إجابة تلقائية تضمنها الانتخابات وحدها. لكن قيمة أي عملية انتخابية تقاس أيضًا بقدرتها على فتح المجال أمام المحاسبة، وتجديد التمثيل، وتطوير المشروع الوطني.

فالتحدي الفلسطيني ليس فقط الوصول إلى السلطة، بل تحديد وظيفة السلطة: هل هي إدارة للواقع القائم، أم وسيلة سياسيه ومؤسسيه للعمل على تغييره؟

وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يكون في قلب النقاش الانتخابي الفلسطيني، بعيدًا عن الشخصنة والمنافسة على المواقع، وقريبًا من حقوق المواطنين ومستقبل القضية الفلسطينية.