جينات وكتالوجات متوارثة
نشر بتاريخ: 2026/09/16 (آخر تحديث: 2026/09/16 الساعة: 15:19)

قبل نحو 300 ألف سنة، انفصل عن «الرئيسيات العليا» نوع جديد سيعرف لاحقاً باسم «الإنسان العاقل»، وعلى مدى أجيال متلاحقة توارث جينات الهروب من الخطر. فقد كانت الأخطار في تلك الحقبة السحيقة تحيط به من كل جانب؛ وكان تقريباً من أضعف الكائنات التي عاشت آنذاك. فلم يكن سريعاً كالفهد، ولا مفترساً كالأسود، ولا قوياً كالدببة، ولا رشيقاً كالسعادين. لم تكن لديه أنياب كالذئاب، ولا درع كالسلحفاة، ولا فراء كالخراف، ولا مخالب كالنسور. لا يمتلك سمّاً كالأفاعي، وليس بوسعه التخفي كالحرباء، ولا هو ضخم كالفيلة. لم يكن قادراً على مجاراة الحيوانات في كثير من خصائصها التي تساعدها على البقاء؛ لذلك عاش «رامياً» و»جامعاً للثمار» لفترة من الزمن، قبل أن يمتلك مهارات الصيد.

ورغم كل نقاط الضعف تلك، فإنه امتلك ميزات انفرد بها، جعلته قادراً على النجاة من كل تلك الأخطار: الذكاء، والذاكرة، والقدرة على التكيف، والتعاون، والتواصل، والتخطيط، والمرونة الغذائية.

وفي رحلته الطويلة نحو التطور والانتشار في ربوع الكوكب، تعلم كيف يصنع الأدوات ويستخدمها، وكيف يروّض النار، خلال تلك الأزمنة توارث جينات الخوف؛ الخوف من الوحوش، ومن المرتفعات، ومن العتمة، ومن الجوع والأوبئة الغامضة وموجات الصقيع والحر المتعاقبة.. كانت تلك المخاطر تعني شيئاً واحداً: الموت.

وبعد أن عرف كيف يعيش في شكل مجموعات متعاونة فيما بينها، أُضيف خطر جديد على قائمة الخوف: الخوف من المجموعات البشرية الأخرى المنافسة؛ فقد كانت الموارد شحيحة، والمواجهات بين تلك المجموعات تخضع لمعادلة صفرية، إما البقاء أو الفناء.. ونظراً لقسوة الظروف آنذاك كان ذلك الإنسان البدائي عنيفاً، عدوانياً، متأهباً على الدوام..

وحين أطلق أول ثورة معرفية، وطور أساليب التواصل، واجترح اللغة، وشكّل الأسرة، ومن ثم القرية وحتى نشوء الـمُلكية ظلت علاقته بنفسه وبالآخرين وبمحيطه الخارجي خاضعة لعوامل وظروف قاسية، وأُضيف للخوف صفات أخرى: الغضب، والحسد، والجشع، والأنانية، والشك، وظلت تلك الصفات تتأصل وتتعمق مع نشوء الحضارات ونظام الإقطاع، وصولاً للرأسمالية.. وأضيفت إليها سمات الاستغلال والقسوة.

طوال تلك الأزمنة ظلت الصفات والجينات المتوارثة تخضع لعوامل البيئة، والقدرة على التكيف، وفي إطار الغرائز البدائية، أي في الأنظمة الانفعالية في الدماغ، ولكن بعد الثورة الزراعية بدأ يخضع لعوامل أخرى مهمة: العوامل الثقافية، بما فيها الدين والقيم والأعراف.. وصارت تلك جزءاً من تكوينه النفسي ومن وعيه لذاته.

للتوضيح: الطفل لا يرث «جيناً ثقافياً» يحدد له معايير الصواب؛ الجينات تؤثر في بنية الدماغ، وفي الاستعدادات، وتكوين الهرمونات، والطباع، والاستجابات الانفعالية، لكن السلوك الإنساني نتاج تفاعل بالغ التعقيد بين الجينات والبيئة والتعلم والثقافة والتجربة الفردية.

بمعنى آخر، لدى الإنسان استعدادات تطورية وأنظمة عصبية وانفعالية تشكلت تحت ضغوط الانتخاب الطبيعي، يعبّر عنها بالتعلم والثقافة.

إذا تناولنا الموضوع من ناحية أخرى، بمسار مواز للمسار الغرائزي طوّر الإنسان منظومة أخلاقية مبكرة، كان هدفها بدايةً درء المخاطر وتجنب الخسائر وتنظيم حياة المجموعات البشرية الأولى، فكان مثلاً تحريم القتل (أو عدم الإسراف به) لأنه سيؤدي إلى خسائر في مقدرات القبيلة البشرية وسيضعفها في مواجهة القبائل الأخرى. ثم تحريم العلاقات الجنسية داخل الأسرة الواحدة، ثم تحريم السرقة والتعدي على ممتلكات الغير.. كانت تلك لغرض تلبية حاجاته الأساسية.

ومع تطور وسائل الإنتاج، واستبعاد خطر المجاعة بسبب وفرة الموارد، ومع الاستقرار في مجتمعات ثابتة، بدأت المجتمعات النووية بالتشكل وصار ضرورياً لها الاتفاق على المزيد من النظم الأخلاقية لضبط شؤون المجتمع، وصار لكل قبيلة أو قرية زعيم، ومن حوله طبقة حاكمة، وصار ممكناً توثيق تلك النظم الأخلاقية والاتفاق عليها، ما مهد لنشوء الدول والحضارات والأديان والقوانين والدساتير.. وصار الإنسان أقل ميلاً للعنف، وأكثر تهذيباً.. لكن هذا المسار التطوري لم يلغِ العنف؛ بل جعله أقل فردية وأكثر تنظيماً.

ومع نشوء المدنية ارتقى الإنسان بمسلكه وطرق تفكيره وعلاقاته، وصارت العوامل الثقافية أكثر تأثيراً وتعكس نفسها على التكوين النفسي والعاطفي والاجتماعي وتحل شيئاً فشيئاً مكان الغرائز البدائية، وصولاً إلى الإنسان الحديث مُنشئ الحضارات المتطورة والتكنولوجيا والقوانين العصرية وفي مقدمتها قوانين حقوق الإنسان.

إذاً، نمت الحضارة الإنسانية في خطين متوازيَين، خط الغرائز البدائية، وخط العوامل الثقافية، كانا يتعارضان مرة، ويلتقيان مرة.. فإذا كان جميع البشر تقريباً ورثوا تلك الجينات البدائية (العنف، الغضب، الخوف، الشك، العدوانية، القسوة، الأنانية..)، كما توارثوا سمات (التعاطف والحب..)؛ فإن كل تكتل بشري موجود حالياً ورث كتالوجاً ثقافياً مشتركاً (الأخلاق بشكلها الأساسي)، وكتالوجاً ثقافياً محدداً ومميزاً يختلف بين تكتل وآخر، تبعاً لمسار التطور الاجتماعي لذلك التكتل.. وطبعاً ليس كل تحديث ثقافي يُعدُّ تقدماً أخلاقياً بالضرورة.

بعبارة أخرى: ورث الإنسان قابلية التعاون وقابلية الصراع معاً، ليأتي دور الثقافة والمؤسسات والظروف لتحدد أيهما يُستثار ويصبح أكثر تأثيراً.

للتوضيح: إذا كنت بالغاً عاقلاً وتظن نفسك تمتلك أفضل الصفات الأخلاقية، وتتبع الدين الصحيح، وتنتمي للطائفة الناجية، فإنك سليل عرق أصيل، وخيارات وتوجهاتك صائبة.. هنا لا أناقشك إن كان ظنك بنفسك صحيحاً أم لا، ولا أناقش صوابية خياراتك وتوجهاتك، وأخلاقية قيمك وتقاليدك.. أريد أن أقول لك: إنك توصلت إلى أغلب تلك القناعات دون أدنى جهد منك، ببساطة أنت ورثتها عن أسلافك الأولين.. تصرفاتك التلقائية وانفعالاتك الغرائزية تنفيذ آلي لكتالوج جيني كُتب في زمن سحيق على شريط الـDNA، في كل سنة كان يُضاف سطر جديد ، حتى تكوّن «الجينوم» البشري الحالي، وعلى مستوى أكثر تقدماً؛ ما تفكر به، وما تتصرفه، وقراراتك اليومية تطبيق لكتالوج ثقافي كُتب قبل آلاف السنين، والطبعة التي تشتغل عليها حضرتك كتبها أجدادك قبل بضعة مئات من السنين ربما أكثر أو أقل تبعاً لنوع القرار والحكم والتوجه الحالي.

فإذا كنا كبشر لا نختار نقطة انطلاقنا، لكننا نستطيع أن نختار ما إذا كنا سنستمر في السير منها أم سنراجعها. وإذا كنا لا نختار جيناتنا، ولا لغتنا، ولا العصر ولا البيئة التي نولد فيها، لكننا نستطيع أن نراجع ونقيّم وننقد كل ما ورثناه.

وهنا تكمن معاني الإنسانية والتفرد والتميز وحرية الاختيار.

هناك مجتمعات استحدثت كتالوجها الثقافي الخاص بما يتناسب مع مسارات العصر المتسارعة، وهناك مجتمعات بقيت أسيرة ومقيدة بكتالوجاتها الثقافية القديمة.. وهناك أشخاص منقادون وراء مجتمعاتهم وفق نظام القطيع، وأشخاص خرجوا عن قطعانهم.. هناك أشخاص وعوا طبيعة غرائزهم البدائية وهذبوها، وهناك أشخاص فشلوا في ذلك، وظلوا بدائيين في مسلكهم وتفكيرهم. وهنا ستنشأ معضلة أخرى: قد يظن الشخص أنه تحرر من الكتالوج الثقافي، لكنه قد يكون ببساطة انتقل إلى كتالوج آخر.

لو أخذنا مجتمعاتنا العربية الحالية مثالاً، لنفهم ونقيّم منظوماتها القيمية وأعرافها وتقاليدها ومسلكها وعلاقاتها الخارجية ونظرتها للعالم ولنفسها، وطرائق تفكيرها، ووعيها لذاتها.. سنجد أجزاء كبيرة منها تطبق كتالوجاً أُعد قبل نحو ألف سنة، كل جيل ينسخه حرفياً بأمانة ودقة، وكل من حاول الخروج عنه، أو التشكيك به، أو المطالبة بتطويره، كان يجري تكفيره ونبذه وقذفه بأبشع التهم.