هل حسم آيزنكوت المعركة مبكراً؟
نشر بتاريخ: 2026/09/10 (آخر تحديث: 2026/09/10 الساعة: 21:38)

الجواب المبدئي هو نعم.

مقابل ذلك هناك عشرات «اللواكن» - جمع منحوت لـ»لكن»-.

وكل «لكن» منها هي مبدئية كما هو الجواب.

دعوني أشرح الفكرة.

ما تعكسه استطلاعات الرأي الإسرائيلية وهي استطلاعات نشطة، وتتسارع وتيرتها، وستتسارع أكثر في الأيام القادمة بعد إغلاق القوائم، وقد نصل في بعض الفترات إلى أكثر من استطلاع في اليوم الواحد، ومن عدة جهات تقوم بها... ما تعكسه استطلاعات الرأي هذه يوحي ويشي، وقد يؤشر على اتجاه لا رجعة عنه، وإلى واقع سياسي جديد لا مفر منه وهو فوز المعارضة.

إذا أردنا تلخيص واقع المركب السياسي الذي يمكن أن يحسم معركة الانتخابات الإسرائيلية فهو على الأغلب على الشكل التالي:

هناك أغلبية يمينية داخل هذا المركَّب، منها ما هي سافرة في يمينيتها على المستوى الفكري، وليس على المستوى السياسي فقط كما هو حال كتلة بينيت، وحتى كتلة ليبرمان، ومنها ما هي أقل سفوراً كما هي كتلة رئيس قائمة «يشار» بقيادة آيزنكوت نفسه، ومنها ما يمكن تصنيفه بيمين الوسط، وهو يمين متحرر من البعد العقائدي المباشر لكنه مقيد بسلاسل السياسات اليمينية السائدة، ولا يشكل ما يسمى اليسار ثقلاً خاصاً فيه.

وبالتالي فإن الاستنتاج المباشر هنا هو أن الصراع في الواقع هو صراع بين اليمين واليمين داخل معسكر «المعارضة»، وهو صراع بين كل هذا اليمين مع اليمين الآخر، والذي يطلق عليه وصف اليمين الجديد في إشارة إلى مواصفات نوعية جديدة باتت تميزه داخل الائتلاف.

والاستنتاج الآخر هنا أن هذا الكنيست لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتمخض عنه إجماع سوى إجماع واحد ووحيد، وهو استمرار نهج تصفية القضية الفلسطينية من خلال وسائل وأساليب شتى تبدأ من خلال رفض إقامة الدولة الفلسطينية وتنتهي عند استمرار حرب الإبادة والتطهير العرقي، وممارسة كل أشكال الفصل والتمييز العنصري ضد كل تجمعات الشعب الفلسطيني حسب ظروف ومتطلبات هذه التصفية.

أما الاستنتاج الثالث الذي يبرز منطقياً هو أن هذا الإجماع هو الذي سيوحد أو يعيد توحيد المجتمع المنحاز والمنزاح نحو اليمين من شتى أنواعه وأشكاله، ومن مختلف أصوله ومنابته.

في حال حسم آيزنكوت هذه المعركة الانتخابية لصالح كتلة المعارضة التي يقودها بعد سقوط الائتلاف الذي يقوده نتنياهو حتى الآن، فهذا يعني بالضرورة أن جزءاً من يمين هذا الائتلاف الحاكم يمكن أن ينضم عند مشاورات وتوصيات تشكيل الحكومة الجديدة إلى المعارضة التي تكون قد ربحت الانتخابات، وتم تكليف زعيمها بهذا التشكيل.

وهنا يتولّد الاستنتاج الرابع وهو على هيئة سؤال:

من هي القوى السياسية من مكونات الائتلاف القائم والحاكم حتى الآن على استعداد لقبول هذا الدخول في تحالف كهذا؟ ومن هي تلك القوى المؤهلة لهذا الدخول من زاوية قبول قوى وأحزاب المعارضة الفائزة، وغير الحاكمة بعد لها؟

ذلك أن هذه القوى أو الحزب أو الكتلة لا يكفيها الرغبة والاستعداد وإنما تحتاج إلى قبول المعارضة وتقبلها وربما الترحيب بها.

القوى الأكثر استبعاداً هي أنصار بن غفير وسموتريتش ومن لف لفهما من عتاة المستوطنين والكاهانيين وغلاة المتطرفين من أصحاب الأجندات الدينية والقومية المهووسة بالتلمودية السياسية الجديدة، ومن أنصار القتل والإجرام والتهجير القسري والمباشر، بصرف النظر عن أي اعتبارات داخلية أو إقليمية أو دولية، وبصرف النظر عما يلحق بدولة الاحتلال من خسائر مادية أو بشرية أو سياسية وبصرف النظر عما يمكن أن ينجم عن هذه السياسات من صدامات وتصدعات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

هنا ننتقل إلى الأحزاب الدينية لنرى فيما إذا كانت مؤهلة للدخول في تحالفات من أي نوع كان مع المعارضة الإسرائيلية في حالة فوزها بالانتخابات المقبلة.

من وجهة نظر اليمين الأيديولوجي المتطرف في أوساط وصفوف المعارضة ذات التوجهات «العلمانية» فإن هذا الدخول هو أقرب إلى الخط الأحمر، ومن وجهة نظر كل من «شاس» و»هتوراة إسرائيل» هو خط أحمر مقابل مع فوارق صغيرة بينهما.

والمعركة هنا تتجاوز المبادئ والمنطلقات الفكرية - على أهميتها - لتدخل في نطاق المصالح المادية المباشرة.

هنا نحن أمام مكاسب ومزايا المدارس الدينية، وأمام مسألة التجنيد في الجيش، وأمام البنية التحتية المادية الصلبة للقاعدة الانتخابية لليمين الديني وكل وكامل مستقبله السياسي.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن التطورات العسكرية والأمنية باتت تتطلب المزيد من الموارد البشرية للجيش، وأخذنا بالاعتبار أيضاً الأعداد المهولة لعامل الهجرة المعاكسة والتي تتحدث الأرقام الرسمية عن معدلات مهولة لها والتي وصلت أو قاربت الثلاثمائة ألف، وجُلهم من أعمار الشباب، وأكثريتهم حسب نفس المعطيات الرسمية من الأكثر تأهيلاً في المجالات العلمية والتقنية المتقدمة، وأخذنا بعين الاعتبار كذلك أن هناك عشرات الأسباب العلمية الرصينة التي تجعلنا نشك في هذه الأرقام والمعطيات يصبح واضحاً وجليّاً لماذا يصعب أو يستحيل على أحزاب المعارضة قبول وتقبُل هذه الأحزاب في حكومة واحدة معها.

هنا نصل إلى بيت القصيد.

الحزب الوحيد الذي يمكن أن يأتلف، وأن يتحالف مع المعارضة الفائزة بالانتخابات، والتي إما أنها فازت ولكنها عاجزة عن تشكيل الحكومة، أو أنها فازت ولكنها تحتاج إلى: إما دعم ومساندة كتلة عربية أو شبكة أمان منها دون دعم مباشر.

أيهما أقرب إلى المنطق: التحالف مع «الليكود» أم الارتهان إلى كتلة عربية، وبقاء روح الحكومة الجديدة في أيدي عربية فلسطينية؟

هنا نكون قد وصلنا إلى مربط الفرس بعد بيت القصيد.

فأما أن ينشق «الليكود» أو يتشظى وتتقاسمه المعسكرات المختلفة على الساحة الانتخابية، وهذا الأمر مستبعد حتى الآن، أو أن تقبل المعارضة التحالف مع «الليكود» لكي تتحرر من الكثير من القيود والمسببات التي تشكل لها صداعاً سياسياً واجتماعياً كبيراً كالعرب أو الأحزاب الدينية.

هذه الإمكانية برأيي، أي إمكانية التحالف بين المعارضة الفائزة بالانتخابات وحزب «الليكود» هي الأقرب إلى المنطق من كل الزوايا، ومن مختلف الاعتبارات شريطة أن تتم التسوية لموقع ومكانة ودور نتنياهو بكل الملابسات التي تنطوي عليها هذه التسوية. وهنا لا بد من عودة.