لماذا يهرب المجتمع الإسرائيلي من الواقع؟
نشر بتاريخ: 2026/08/31 (آخر تحديث: 2026/08/31 الساعة: 13:17)

كلما تأزم الواقع الإسرائيلي على كل مستوى وصعيد انزاح إلى التطرف، وهرب إلى الأمام، وحاول بكل ما أوتي من قوة التهرب من واقع وجود الشعب الفلسطيني بكل ما لدى هذا الشعب من طموحات وأهداف وطنية، مشروعة ومعترف بها، تتعزز وتترسخ أكثر فأكثر حتى وصلت الأمور في بعض أوجه هذا الجانب من الصراع إلى حدود «عولمة القضية الفلسطينية»، وإلى حدود العزلة الإسرائيلية الخانقة، وإلى حدود النبذ الذي تحوّل إلى كابوس سياسي لا يؤرق القيادات الإسرائيلية فحسب وإنما تحولت الأمور، ووصلت إلى حدود الأرق الغربي كله، وحتى طالت، وهي تطال اليوم، وبصورة ملموسة، الساحات السياسية والحزبية والشعبية الأميركية، كآخر معقل حصين للمشروع الصهيوني، والذي لم يكن حتى سنتين أو ثلاث سنين سوى قلعة خارج كل حسابات من أي نوع كان، ولم يكن بمقدور أحد أن يتصور هذا الحد، أو هذه الدرجة من انقلاب الصورة.

الأمور على هذا الصعيد تجاوزت مفهوم العزلة والنبذ؛ فبعد انهيار الرواية الصهيونية - وانهيار الرواية هو حجر أساس جديد في قراءة المشهد والاتجاه - انتقلت الحالة الشعبية المناهضة للمشروع الصهيوني من السخط على ممارسة التوحش الإسرائيلي في سياق السياسة الممنهجة للإبادة الجماعية فباتت علنية، وتحولت إلى برامج سياسية، وإلى سياسات يتم على قاعدتها بالذات كسب الأصوات، وتحشيد الإمكانيات، ومن على نفس هذه القاعدة تعقد المقارنات، وتخاض الانتخابات، تحولت من السخط على ذلك كله إلى ربط هذا السخط من التعاطف الإنساني إلى بدايات تبلور وعي سياسي جديد - ومن هنا بدأ حجر الأساس الجديد - بأن الأمر يتعلق أساساً بمشروع استعماري جرى تسويقه وتلفيقه في ظل مصالح استعمارية غربية هائلة، ولم تكن فلسطين في إطار هذه المصالح سوى المرحلة الأولى، ولكنها الحاسمة في مشروع أكبر للهيمنة الغربية على إقليم يتميز بكل المواصفات التي تلبي تلك المصالح، وتستجيب لها على مستوى الثروات، وعلى مستوى الموقع الجيوسياسي، وأيضاً على مستوى الممرات الكبرى للتجارة العالمية، وحتى على مستوى إعادة هندسة الإقليم لجاهزيته سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وحتى ثقافياً لترسيخ تلك المصالح.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، وهو حد خطير، وغير مسبوق، ويمثل تهديداً مباشراً لأسس ومرتكزات المشروع الصهيوني لأن آخر ما وصلت إليه الأمور والحدود المجاهرة، والمطالبة المباشرة بأن يتم الكفاح الشعبي العالمي على قاعدة الحل الديمقراطي الجذري الذي يعيد الحقوق إلى أصحابها الشرعيين والأصلانيين، ويقدم الحل الوحيد الديمقراطي والإنساني للمسألة اليهودية في فلسطين من منظور الحق والعدالة، ومن منظور البعد الإنساني المطلوب.

وصلت الأمور إلى الرئيس ترامب، وإلى قادة بارزين في الحزب الجمهوري، وإلى كل مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة، وبدأت تتسلل إلى أعضاء بارزين في الكونغرس، ناهيكم عن مراكز الأبحاث والسياسات الرسمية وشبه الرسمية، ومن بينها وزارتا الخارجية والدفاع، والوكالات الوطنية للأمن والاستخبارات، وناهيكم طبعاً عن الأجيال الجديدة في الجامعات، وفي وسائل الإعلام، وفي كل الأوساط السياسية في الحزب الديمقراطي، وصعود الاشتراكيين الديمقراطيين بصورة صاروخية في انتخابات الحزب.

نعم، وصلت الأمور وتدرجت وتدحرجت دون أن يرف للمجتمع الإسرائيلي حتى الآن جفن واحد، ودون أن تستوقف المجتمع الإسرائيلي بعد هذا الانقلاب الهائل.

نحن حتى هذه اللحظة وصفنا وشخّصنا وحللنا وحاولنا أن نفسر هذا الأمر على مدار سنوات، ولكننا لم نقدم، لا لأنفسنا، ولا لغيرنا أطروحة مقنعة متماسكة في تفسير هذه الظاهرة.

الفكر السياسي الفلسطيني ما زال قاصراً وعاجزاً - كما أرى - عن أن يقدم أطروحته المطلوبة، المقنعة والمتماسكة والتي هي راهنة وملحة، ويفترض أن تكون ملازمة وموازية لانهيار الرواية الصهيونية، وإعادة الحياه للرواية الفلسطينية، بل وانتعاشها من جديد، وبلوغها طوراً نوعياً منها.

لا أدعي، ولا يجوز لي أن أدعي، إذ رحم الله قدر كل امرئ منا أنني سأفعل ذلك، لكن ومع ذلك يمكننا المحاولة كفاتحة للنقاش، أو كبادرة ليس أكثر في مساهمة أولية فيه. يحدوني الأمل بأن تكون هذه المفاتحة والمبادرة في موضع التفكير والاهتمام من ثلة رائعة من الكتاب ومن أصحاب الفكر، ومن حملة مسؤولية الرأي، ومن أحرار الإرادة الوطنية دون أن نعفي أو نغفل دور المؤسسات السياسية والحزبية، ودور عشرات آلاف النشطاء الذين أرى أن دورهم يتعزز يوماً بعد يوم، وتتعمق أفكارهم، وتزداد قناعاتهم ويسهم في المجتمع الفلسطيني، ووعيهم لمكانتهم لهذا الدور فيه.

أسئلة أولية للمساهمة الأولية:

1. هل أن كل مجتمع استيطاني وإحلالي كما هو الحال في الحالة الفلسطينية هو مفطور على هذه الشاكلة التي نرى عليها واقع المجتمع الإسرائيلي في شقّه اليهودي؟

2. هل الشعور بالتهديد الوجودي، إما بسبب هشاشة الرواية الصهيونية، أو بسبب الصورة عن المحيط العربي والإسلامي هي مصدر الشعور بالتهديد، أم أن الأمر يتعلق إضافة إلى ذلك كله بأيديولوجية متأصلة في الفكر الصهيوني نفسه وتدور حول التخويف الدائم من التعرض الدائم للأخطار الوجودية؟ وهل الخبرة «التاريخية» لما تدعي الأيديولوجية الصهيونية أنه قد رافق مسيرة اليهود على مدى قرون والخبرة السياسية الجديدة حول «الهولوكست» الذي أقدمت عليه النازية، ما زال منغرساً عميقاً في الوعي اليهودي

3. أم يعود الأمر إلى تسرب متزايد للفشل في قدرة الجيش والدولة في الحفاظ على المشروع، خصوصاً بعد جولات من الحروب التي لم تستطع مؤسسة الجيش أن تحسم أمراً واحداً منذ العام ١٩٦٧؟

4. أم يا ترى تعود المسألة للمتغيرات والتغيرات الهائلة التي طرأت على التركيبة الاجتماعية والاقتصادية لهذا المجتمع، وللانقلابات التي أحدثتها هذه التركيبة على مستوى الوعي والثقافة بعد سنوات طويلة ومتراكمة على حكم اليمين وتحكمه بوسائل الإعلام والتعليم ما بعد انقلاب الحالة السياسية في العام ١٩٧٧؟

5. أيمكن أن تعود الأمور للموجات الدينية التي اجتاحت الحالة العربية والإسلامية، والفلسطينية، والتي يمكن أن تكون قد عززت من مشاعر الخوف والشعور بالتهديد الدائم القائم؟

6. أم أن حالة الانجرار السياسي الفلسطيني - الرسمي والشعبي - في بعض المراحل مثل الانتفاضة الثانية قد تكون عززت من مخاوف هذا المجتمع، واستثمر اليمين العنصري في حالة الانجرار، ونجح في ذلك؟

7. أم أن القوى الليبرالية السياسية، بما في ذلك ما يسمّى اليسار أجرمت بحق مجتمعها عندما تماهت مع ثقافة الإجرام والإبادة وبذلك وضعت هذا المجتمع أمام عملية وعي أحادية اختار فيها المجتمع الإسرائيلي النسخة الأصلية منها والتي تتمثل بالعنصرية والفاشية؟

8. أيمكن أن يعود الأمر إلى أن المجتمعات المؤمنة بالتفوق والهيمنة والرفض للآخر بأن هذه هي طبيعتها وهذه هي الخبرة التاريخية التي تولدت عنها؟

هذه بعض الأسئلة التي ما زالت ناقصة أو ما زالت بعض جوانبها غائبة، وربما مغيبة، والتي قد تساعد في النقاش الجدي حيال هذه المسألة والمقاربة العامة.