دحلان... من حلم العودة إلى صفوف فتح إلى صناعة القرار الوطني الفلسطيني
نشر بتاريخ: 2026/08/29 (آخر تحديث: 2026/08/29 الساعة: 22:55)

تفرض التحولات السياسية والتنظيمية التي شهدها تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، بقيادة محمد دحلان «أبو فادي»، قراءة مختلفة لمسار التيار وطموحه السياسي. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بخلاف فتحاوي أو بموقع داخل الحركة، وإنما باتت تتصل بسؤال أكبر: كيف يمكن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟

في الماضي، كان حلم تيار الإصلاح الديمقراطي أقرب إلى العودة إلى صفوف فتح، واستعادة الحضور داخل مؤسسات الحركة والسلطة، وتصحيح المسار من الداخل. وقد حاول التيار، في أكثر من محطة، إصلاح حركة فتح وإعادة ترتيب بيتها التنظيمي، إلا أن محاولاته اصطدمت بما يمكن وصفه بصخور موقف الرئيس محمود عباس الرافضة لمسح آثار الانقسام عن سبورة الوطن، والإبقاء على واقع سياسي كرّس الانقسام وأطال عمره.

ومع تراكم السنوات، وتعمق الانقسام، وتراجع المؤسسات، وتبدل الواقع الفلسطيني، تغيّر سقف الحلم. لم يعد السؤال: كيف يعود التيار إلى النظام القديم؟ بل أصبح: إلى أي نظام سياسي سيعود الجميع، ومن يشارك في صياغة قواعده؟

وهنا أرى أن التحول الأبرز هو الانتقال من حلم استعادة الموقع إلى طموح صناعة التأثير، ومن البحث عن مكان داخل النظام إلى المشاركة في إعادة بناء النظام السياسي الذي أرهقته سنوات الانقسام والمحاصصة والإقصاء.

فالمشكلة الفلسطينية لم تكن في التعددية السياسية بحد ذاتها، بل في غياب نظام قادر على إدارة هذه التعددية وفق قواعد واحدة. وعندما تصبح الفصائل أقوى من المؤسسات، تتحول المنافسة إلى صراع، والصراع إلى انقسام، ويدفع المواطن الثمن.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى الانتقال من صراع السلطة إلى شراكة الوطن، ومن حكم الفصائل إلى دولة المواطنين؛ دولة تكون فيها المؤسسات فوق الأشخاص والتنظيمات، والقانون فوق الجميع، والانتخابات مصدرًا للشرعية، وتداول السلطة حقًا أصيلًا، لا امتيازًا دائمًا لفصيل أو شخص.

كما أن مراجعة الماضي لا تعني محاكمة طرف واحد أو مساواة الجميع في المسؤولية، وإنما الاعتراف بالأخطاء ورفض تكرارها. فالدم الفلسطيني يجب أن يبقى محرّمًا في الصراع السياسي، والسلاح لا يمكن أن يكون طريقًا للوصول إلى الحكم أو حسم الخلاف، والمصالحة الحقيقية لا تقوم على النسيان، بل على استخلاص الدروس وبناء ضمانات تمنع العودة إلى الانقسام.

والرؤية الجديدة تتجاوز المصالحة الفصائلية إلى فكرة عقد وطني اجتماعي جديد يقوم على الانتخابات الحرة، واحترام نتائجها، واستقلال المؤسسات، ورفض احتكار السلطة والقرار الوطني، وحماية الحقوق والحريات، وإخضاع المال العام والأجهزة الأمنية والوظيفة العامة للمصلحة الوطنية، مع وجود مرجعية شرعية وجامعة في القضايا الكبرى، وعلى رأسها الحرب والسلام.

ولا يمكن بناء هذا المستقبل من دون المرأة والشباب والمستقلين والكفاءات. فالشباب ليسوا مجرد جمهور انتخابي، والمرأة ليست حضورًا رمزيًا، والمجتمع والكفاءات ليست هامشًا سياسيًا؛ بل شركاء حقيقيون في صناعة القرار.

لكن الطموح الجديد يفرض مسؤولية جديدة على تيار الإصلاح الديمقراطي نفسه. فإذا كان محمد دحلان يطرح رؤية تتجاوز استعادة الموقع إلى المشاركة في صناعة القرار الوطني، فإن ذلك يحتاج إلى أدوات تنظيمية وسياسية وإعلامية تتناسب مع هذا الطموح، وإلى ممارسة داخلية تعكس الديمقراطية والشراكة والمساءلة التي يُراد لها أن تكون قواعد للنظام الفلسطيني.

إنها ليست مجرد رؤية للمرحلة المقبلة، بل وثيقة ترسم ملامح خارطة طريق للمستقبل؛ من نظام أنهكته سنوات الانقسام إلى نظام يقوم على الشراكة والمؤسسات والقانون وإرادة المواطن.

وهنا تكمن المسألة الأهم: هل يتحول الانتقال من حلم العودة إلى صناعة القرار إلى ممارسة سياسية حقيقية، أم يبقى مجرد تحول في الخطاب؟

في تقديري، دفعت السنوات الماضية التيار من موقع البحث عن استعادة المكان إلى التفكير في صناعة المستقبل. ولم يعد الرهان فقط على العودة إلى صفوف فتح، وإنما على أن يكون التيار طرفًا في صياغة نظام سياسي فلسطيني جديد، تكون فيه المؤسسات أكبر من الأشخاص، والوطن أكبر من الفصائل، والمواطن مصدر الشرعية.

إنها باختصار رحلة من حلم العودة إلى طموح التأثير، ومن استعادة الموقع إلى المشاركة في صناعة القرار الوطني الفلسطيني.