أميركا تحاول العودة إلى الوراء!
نشر بتاريخ: 2026/08/28 (آخر تحديث: 2026/08/28 الساعة: 19:25)

كل من يظن أن إيران ستستسلم أو سترفع الراية البيضاء في هذه الحرب فهو واهم، وكل من يظن أن أميركا ستنسحب سريعاً، وتخرج من الشرق الأوسط، في المدى المنظور، فهو واهم أيضاً، وذلك لا يعود إلى قوة إيران العسكرية الكافية لمقارعة القوة الأميركية والإسرائيلية معاً، وإلحاق الهزيمة بهما، حتى لو عبر حرب استنزاف طويلة الأمد، أو حرب تحرير شعبية، كما كان حال القوات الأميركية في فيتنام، أو حتى في أفغانستان والعراق، فحتى الآن تجنبت القوات الأميركية والإسرائيلية دخول الأراضي الإيرانية، حتى لا تكرر تجربة فيتنام أو أفغانستان وحتى العراق، ورغم أن العلوم العسكرية تقول إن القصف الجوي غير كاف لحسم المعارك العسكرية، أو لإلحاق الهزيمة بالخصم، إلا أن جوهر الأمر ليس هنا، وحتى المقارنة بين مصير الوجود العسكري والأهداف الأميركية في فيتنام كان مختلفاً تماماً عما كان عليه ذلك الوجود في أفغانستان وتلك الأهداف في العراق، ففي العراق تحقق هدف إسقاط النظام المعادي لأميركا وإسرائيل، وفي أفغانستان احتلت القوات الأميركية كابول وبقيت فيها، أما في فيتنام، فقد هزمت أميركا، وهي لم تدخل قط هانوي، بل خسرت سايغون، وسقط نظام عميلها نغوين فان ثيو، وتوحدت فيتنام لصالح نظام هانوي - هوشي منه الشيوعي.

المقاربة مختلفة ارتباطاً بالزمن الذي وقعت فيه الحروب الأميركية على الجبهات الثلاث، ففي حالتَي العراق وأفغانستان، حاربت أميركا في ظل نظامها العالمي الذي ورث نظام الحرب الباردة، لذلك وقف العراق في وجه أميركا وحيداً، بل كانت مع أميركا قوات ثلاثين دولة، ووقفت طالبان تحارب أميركا وحيدة أيضاً، أما الحرب الأميركية على فيتنام فوقعت في ظل الحرب الباردة، لذا فقد كان كل من الاتحاد السوفياتي والصين يمدان فيتنام بالسلاح، ويغطيانها سياسياً، في حين كانت حركة التحرر العالمي تساندها أيضاً، ما انعكس على الداخل الأميركي، حيث اندلعت التظاهرات المعارضة للحرب، لذلك تعرضت أميركا للهزيمة العسكرية، بشكل صريح، وخرجت من فيتنام بعد أن قتلت نحو مليون ونصف المليون فيتنامي شمالي وجنوبي، فيما خسرت أميركا نحو 60 ألف قتيل، من أصل ما يقارب من 300 ألف قتيل من مجموع قواتها وحلفائها في الحرب، وقد تجلت الهزيمة في انسحاب أميركا من فيتنام، وسقوط النظام العميل لها الذي كان في جنوب فيتنام.

الحالة مع إيران، تكاد تكون بين بين، أي بين هذا النموذج وذاك، فهي تقع في ظل ارتخاء قبضة النظام العالمي الأميركي، وكأحد تجليات الصراع ما بين أميركا التي تحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بالحفاظ على نظامها العالمي، الذي أقامته بعد انهيار جدار برلين مطلع تسعينيات القرن الماضي، وبين خصوم عالميين، تتقدمهم الصين كثاني قوة اقتصادية في العالم، وروسيا كثاني قوة عسكرية في العالم، واللتين تجتمعان مع دول أخرى مهمة اقتصادياً وسياسياً وحتى عسكرياً على الصعيد الكوني، وذلك ضمن مجموعة «بريكس»، ومن بين هذه الدول إيران.

أي قراءة إذا للحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، يجب أن تنطلق من هذه الزاوية، وإلا فسوف يجانبها الصواب، وإذا كانت روسيا منشغلة بدورها في الحرب مع أوكرانيا وذلك منذ أكثر من 4 سنوات، فإن الصين تبدو بلا أي ضغط عسكري، ولا حتى سياسي أو اقتصادي، على عكس الولايات المتحدة، التي بدورها سعت إلى التخلص من عبء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، منذ أن تولى دونالد ترامب إدارة البيت الأبيض مطلع العام الماضي، وتركت عبء الحرب للاتحاد الأوروبي، في هذا السياق وإذا ما نظرنا إلى أن الصين وروسيا وإيران يشكلون تحالفاً دولياً يسعى لتغيير النظام العالمي الأميركي، فيما أميركا ومعها إسرائيل وإلى حد ما أوروبا يسعون إلى الإبقاء على النظام العالمي الأميركي، فإنه يمكن القول: إن القوة المناهضة للنظام العالمي الأميركي تبدو أقوى، وفي طريقها لتحقيق النصر، لكن ليس قريباً، بل بعد سنوات، وتكفي المقارنة هنا بين جبهتَي أوكرانيا وإيران لتأكيد ذلك.

أوكرانيا تحارب روسيا الأقوى منها عسكرياً بكثير بإسناد ودعم عسكري ومالي أوروبي وأميركي صريح، ولهذا ما زالت أوكرانيا صامدة ولم تسقط كنظام وكعاصمة، لكنها خسرت ربع أرضها، بينما منعت إيران أميركا وإسرائيل من دخول أراضيها، وسيطرت على هرمز - وما أدراك ما هرمز - دون دعم عسكري أو مالي أو كليهما معاً من قبل الصين وروسيا منفردتين أو معاً، رغم أن ذلك لا ينفي الدعم اللوجستي والسياسي، لكن قدرة إيران على مقارعة أميركا وإسرائيل عسكرياً ثم تفاوضياً، دون اضطرار الصين و/ أو روسيا لتقديم الدعم العسكري و/ أو المالي الصريح لها، حتى اللحظة، يؤكد أن حلفاء الصين وروسيا لا يشكلون عبئاً على ذلك المحور المناهض للنظام العالمي الأميركي، بينما حلفاء النظام العالمي الأميركي، نقصد هنا أوكرانيا وإسرائيل، يشكلون عبئاً على أميركا وأوروبا.

أما عن آخر فصول الصراع، فتكفي الإشارة إلى اضطرار أميركا لأن تنخرط بكل قوتها في معالجة إيران فقط، وكانت تظن أنها مثل فنزويلا، أو أنه كان يجب أن تكفيها عميلتها في المنطقة، أي إسرائيل ذلك الانخراط المباشر، تكفي الإشارة إلى أن إيران لم تكتف بالصمود في حرب الأربعين يوماً، بل تصدت لمحاولة أميركا ترجمة ما ألحقته من خسائر مادية وبشرية بإيران، إلى استسلام سياسي عبر التفاوض، ثم بعد أن أغلقت إلى حد بعيد خيار عودة أميركا للحرب، لتحقيق هدف وحيد بعد أن كانت أهداف الحرب عديدة، وهو فتح مضيق هرمز، إلى رفع شعار الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وملخص هذا يعني ما هو أكثر من تحكم إيران بمضيق هرمز، فهو يعني قطع أحد أذرع الأخطبوط الأميركي العالمي، حيث يرتكز النظام العالمي الأميركي على ركيزتين أساسيتين، هما الممرات المائية، مع 750 قاعدة عسكرية في العالم، والدولار كعملة تبادل تجاري عالمي عبر «سويفت».

أي أن سيطرة إيران على هرمز تعني توجيه ضربة قاصمة للنظام الأميركي العالمي، ولا تكتفي إيران بهذا، بل بدأت تطالب بطرد القواعد الأميركية من الشرق الأوسط، فضلاً عن قطعها البحرية في بحرَي عُمان والعرب، وتضع هذا ضمن شروطها لفتح مضيق هرمز، كون السفن المعادية والعسكرية تمر من المضيق لشن الحرب على إيران، إذاً فماذا يمكن أن تقدم دولة للصين كما تقدمه إيران لها بسيطرتها على هرمز، وبالسعي إلى تفكيك القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، وهذه ستكون سابقة، إن كان ما يخص الممرات المائية أو القواعد العسكرية، وهذا يصب تماماً في مصلحة الصين، التي تقود التحالف المناهض للنظام العالمي الأميركي اقتصادياً وعسكرياً.

حاول ترامب أن يجهز على إيران سريعاً، فخاض حرباً عسكرية بقوة، لكنه اضطر للعودة إلى ما يحدث عادة في الصراعات بين الدول، بالجدول العكسي، فعادة يبدأ الصراع بالحصار الاقتصادي، بحراً وبراً ومالياً، ثم ينتهي بشن الحرب العسكرية لإسقاط النظام، لكن بعد أن عجز ترامب ولم يعد لديه سوى قنابل الكلام والتهديد الذي صار مثيراً للسخرية، آخر ما أطلقه كان ما سماه «نورماندي اقتصادي»، أو ما سمّاه وزير خزانته الحرب المالية، وفي هذا الصدد ما يمكن قوله باختصار، ليس فقط أن أميركا تفرض حصاراً اقتصادياً على إيران بالذات منذ العام 1979، وصحيح أن الحصار هذه المرة مختلف لأنه موجه للدول الأخرى، أي نحو 60 دولة وكياناً، كما ينضوي على تهديد لدول الجوار البري والبحري لإيران، لكن ما لا بد من ملاحظته أولاً هو أن تلك القرارات خارج القانون الدولي وخارج مؤسسات الأمم المتحدة، لذلك وجدت الصين في هذه الثغرة مدخلاً للإعلان بسهولة أنها ستستمر في التعاون مع إيران وفق القانون الدولي.

وثانياً، إن «البلطجة» الأميركية تطال دولاً أخرى غير إيران، فإذا كان من حق أميركا أن تتعامل أو أن تقاطع من تشاء من دول العالم، فليس من حقها أن تفرض موقفها على غيرها، خاصة أن موقفها هذا ليس موقفاً دولياً، وأميركا هي من خرجت عن الاتفاق الدولي مع إيران عام 2015، إذا لا يمكن النظر إلى قرارات وزير الخزانة الأميركية على أنها ستجد ترجمتها مباشرة وفوراً وبشكل تام على الأرض، ومؤكد أن إعلان الصين الفوري عن عدم الالتزام بالقرارات الأميركية، وهذا طبيعي ألا تلزم القرارات الأميركية أي دولة أخرى، يعني أن الحرب المالية الأميركية قد فقدت نصف قوتها منذ اللحظة الأولى، فالصين وحدها تكفي إيران لأن تخرج لسانها مجدداً لترامب. لهذا فإن الحرب المالية تبدو مثل الضغط العسكري هدفها إجبار إيران على تقديم تنازل تفاوضي، لذا ذهب عاصم منير قائد الجيش الباكستاني لطهران بناءً على طلب ترامب، للعودة إلى وثيقة التفاهم!