ترامب في مأزق: إيران تستنزفه والصين تنتظر
نشر بتاريخ: 2026/08/18 (آخر تحديث: 2026/08/18 الساعة: 19:41)

مرّت الستون يوماً التي حُددت في مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وبدلاً من التوصل إلى اتفاق دائم، تبدو الصورة كأنها، تقريباً، عكس ما أراد ترامب تحقيقه عندما تبنّى اتفاق الإطار؛ فالمفاوضات لا تتقدم؛ ومضيق هرمز عاد إلى قلب المواجهة؛ ولا يزال احتمال حدوث تصعيد إضافي قائماً؛ والمذكرة التي كان يُفترض أن تتيح التوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا الصعبة، وفي مقدمتها الملف النووي والعقوبات، خلال 60 يوماً، لم تحقق أهدافها.

لكن سيكون من الأبسط النظر إلى ذلك، باعتباره مجرد فشل آخر لترامب، أو دليلاً إضافياً على التخبط في سلوكه؛ فالأيام الستون التي مضت تكشف عن تغيير أعمق: الهدف الأميركي نفسه آخذ في التقلص؛ ففي حزيران/ يونيو، أراد ترامب تحويل إنجازات الولايات المتحدة وإسرائيل العسكرية إلى اتفاق شامل ينهي الحملة العسكرية، ويفتح مضيق هرمز، ويمهّد الطريق لتسوية بشأن الملف النووي؛ أمّا اليوم، فيبدو كأن الهدف المباشر أصبح أكثر تواضعاً: استعادة حرية الملاحة، ووقف التدهور، وتهيئة الظروف التي تسمح بالعودة إلى المفاوضات. وحقيقة أن الاتصالات الأخيرة ركزت مجدداً على هرمز، وهي القضية التي كان من المفترض أن تُحَل أساساً في إطار المذكرة، توضح مدى تراجُع الطموحات.

ويبرز الفارق بين الطموحات والواقع بصورة خاصة في هرمز؛ فعلى الرغم من الضغوط العسكرية والاقتصادية طوال أشهر، فإن إيران لا تزال تحتفظ بالمضيق كورقة ضغط مهمة، ولا تزال حركة الملاحة فيه محدودة جداً، فضلاً عن أن المخاوف من تعرُّض إمدادات الطاقة للخطر تواصل التأثير في أسعار النفط.

المفارقة واضحة؛ فالولايات المتحدة أقوى من إيران بأضعاف لا تُقارَن، وفي إمكانها مواصلة إلحاق أضرار جسيمة بها، لكن إيران ليست مضطرة إلى هزيمة الولايات المتحدة. فمن وجهة نظر طهران، يكفي أن تنجح في منع ترامب من تحقيق نهاية سريعة والتوصل إلى صورة النصر التي كان يبحث عنها. وكلما طال أمد الحملة، كلما ارتفعت أيضاً التكاليف التي يتعين على واشنطن دفعها - في أسعار الطاقة، واستنزاف القوات، واستهلاك الذخائر، والعبء الواقع على الجيش الأميركي.

لكن قدرة ترامب على تقليص الحملة لا تعتمد عليه وحده؛ ففي إمكان إيران اختيار خطوة تعيد التصعيد إلى مركز المشهد، مثل توجيه ضربة كبيرة إلى القوات، أو الأصول الأميركية، أو زيادة التصعيد في مضيق هرمز، أو التحرك عبر وكلائها. وهذه الخطوة، حتى لو كان هدفها تحسين موقف طهران التفاوضي، وليس إشعال حرب واسعة، ربما تضع ترامب أمام معضلة صعبة: ضبط النفس وتعريض الردع والصورة التي أراد بناءها لنفسه للخطر، أم الردّ بقوة، وبالتالي تعميق الحملة التي يريد الخلاص منها، وبهذا المعنى، لدى إيران أيضاً القدرة على التأثير في الجدول الزمني الأميركي وإفشال محاولة ترامب الإعلان أن الأزمة في طريقها إلى الحل.

ربما يكمن هنا أحد أهم الاعتبارات بالنسبة إلى الإدارة الأميركية؛ فتكلفة الحرب مع إيران لم تعُد تُقاس في الشرق الأوسط وحده، بل تفرض أيضاً تكلفة على استعداد الولايات المتحدة لمواجهة الصين؛ فاستراتيجية الدفاع الأميركية تعتبر ردع الصين في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ مهمة مركزية، إلّا إن الحاجة إلى إبقاء منظومة عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط تجعل من الصعب على البنتاغون تنفيذ الأولويات التي حددها بنفسه.

والمثال الأبرز هو حاملة الطائرات جورج واشنطن، التي كانت آخر حاملة طائرات أميركية في غرب المحيط الهادئ، التي أُرسلت غرباً لتحلّ محل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن في الشرق الأوسط، الأمر الذي ترك غرب المحيط الهادئ، ولو موقتاً، من دون حاملة طائرات أميركية؛ أمّا لينكولن ذاتها، فتجد نفسها في انتشار استثنائي طويل زمنياً بسبب الحرب مع إيران. وفي الوقت نفسه، تتوالى التقارير بشأن الصعوبات في الإمداد والثمن النفسي الذي يدفعه أفراد الطاقم نتيجة الانتشار الطويل الأمد، وهو ما يشكل دليلاً إضافياً على العبء الذي تفرضه الحملة على البحرية.

والمشكلة لا تقتصر على حاملات الطائرات، إذ استهلكت الحملة كميات كبيرة من الصواريخ والصواريخ الاعتراضية، وبعضها ضروري أيضاً لسيناريو المواجهة مع الصين. وتحذّر تقديرات أميركية من أن استنزاف المخزونات يشكل خطراً على الجاهزية في حال وقوع أزمة في غرب المحيط الهادئ، وأن إعادة بناء بعض المخزونات يمكن أن تستغرق أعواماً.

لذلك، فإن رغبة ترامب في التوصل إلى اتفاق لا تنبع فقط من الخوف من ارتفاع أسعار الوقود، أو من الضغوط السياسية في الداخل؛ بل تعكس معضلة استراتيجية أوسع: إلى متى تستطيع الولايات المتحدة مواصلة استثمار القوات والذخائر والاهتمام بالحرب مع إيران، من دون أن تضر بقدرتها على ردع الخصم الذي تعتبره، هي نفسها، التحدي الرئيسي، أي الصين؟

بالنسبة إلى إسرائيل، فإن تداعيات ذلك تتجاوز المفاوضات مع إيران؛ فكلما سعت الإدارة الأميركية لاستقرار منطقة الخليج، وتقليص العبء على قواتها، وتحقيق إنجاز يسمح لها ببدء إغلاق الملف الإيراني، من المتوقع أن تزداد حساسيتها حيال التصعيد في ساحات أُخرى.

وربما يؤدي تجدُّد، أو توسُّع المواجهة في غزة، أو لبنان، أو سورية، أو ساحات أُخرى، إلى زعزعة صورة الاستقرار الإقليمي التي يسعى ترامب لخلقها، وإلى صعوبة اعتبار الحملة ناجحة.

ومن هنا، يمكن أن تواجه إسرائيل أيضاً ازدياداً في الضغوط الأميركية لضبط النفس، وليس بالضرورة لأن الإدارة تختلف مع المصالح الأمنية الإسرائيلية في كل ساحة من هذه الساحات، بل لأنها ستنظر إلى كل تطور إقليمي أيضاً، من خلال تأثيره في الجهود الرامية إلى إنهاء الأزمة مع إيران.

ومن وجهة نظر ترامب، فإن انخفاض مستوى القتال، والاستقرار في الخليج، وعودة الملاحة في مضيق هرمز، والتقدم الدبلوماسي مع طهران، أمور كلها يمكن أن تتكامل لتشكّل إنجازاً يمكنه تقديمه للجمهور؛ أمّا التصعيد في ساحة أُخرى، فربما يعرقل هذه الصورة ويُبقي الولايات المتحدة غارقة في الشرق الأوسط، في وقتٍ تسعى لإعادة الموارد والاهتمام إلى الساحة الصينية.

وبعد مرور 60 يوماً، ربما يكون هذا هو الدرس الأساسي من فشل مذكرة التفاهم: أراد ترامب تحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية شاملة؛ أمّا الآن، فهو مطالَب بإيجاد طريقة لمنع المواجهة من التحول إلى حرب مفتوحة وطويلة الأمد، وبمرور الوقت، لم يعُد السؤال، بالنسبة إلى ترامب: إلى أي حدّ ستكون الولايات المتحدة مستعدة للاستثمار في المواجهة مع إيران؟ بل أيضاً عمّا إذا كانت طهران ستسمح له بتقليصها، أم ستفرض عليه جولة جديدة من التصعيد، في الوقت الذي يسعى لتوجيه القوات والموارد والاهتمام نحوالتحدي الاستراتيجي الرئيسيبالنسبة إليه، أي الصين.