التمسك بحل الدولتين رغم كل شيء.. بين الأمل السياسي وحقائق الأرض
نشر بتاريخ: 2026/08/16 (آخر تحديث: 2026/08/16 الساعة: 17:40)

لا شك أن التمسك بحل الدولتين يعكس موقفًا دوليًا لا يزال حاضرًا بقوة، رغم أن هذا الحل يواجه اليوم واقعًا ميدانيًا وسياسيًا بالغ الصعوبة. فالفكرة تقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، غالبًا على حدود عام 1967 مع إمكانية تبادل محدود للأراضي، إلى جانب دولة إسرائيل، مع ترتيبات أمنية متبادلة، والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وحل عادل لقضية اللاجئين.

وقد شكّل هذا الإطار أساسًا لمعظم المبادرات السياسية الدولية خلال العقود الماضية، من اتفاق أوسلو إلى خارطة الطريق والمبادرة العربية للسلام، وصولًا إلى قرارات الأمم المتحدة والمبادرات الدولية المتلاحقة.

وفي عام 2026، لا يزال المجتمع الدولي، بصورة رسمية، متمسكًا بهذا الخيار. وتتكرر الدعوات الدولية إلى إقامة الدولة الفلسطينية، إلى جانب مبادرات سياسية تسعى إلى وقف الحرب، ووقف الاستيطان والضم، وإصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وإطلاق مسار دولي لإعادة الإعمار والسلام. كما أن اعتراف دول إضافية بدولة فلسطين أعاد التأكيد على أن خيار الدولتين ما زال حاضرًا في المشهد الدولي.

لكن المفارقة الكبرى أن الواقع على الأرض يتحرك في الاتجاه المعاكس. فالحكومة الإسرائيلية الحالية ترفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بينما يستمر التوسع الاستيطاني ومشاريع السيطرة على الأرض، بما يجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أكثر صعوبة. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف يمكن بناء دولة فلسطينية، بينما تتغير الجغرافيا بصورة مستمرة؟

ولا يقتصر التحدي على الجانب الإسرائيلي؛ فالساحة الفلسطينية نفسها تعاني انقسامًا سياسيًا عميقًا، وضعفًا في المؤسسات، وغيابًا لانتخابات وطنية شاملة، فضلًا عن أزمة ثقة كبيرة بين الشعب وقياداته السياسية. كما أن أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها عززت المخاوف الأمنية الإسرائيلية، وجعلت الحديث عن أي انسحاب أو إقامة دولة فلسطينية أكثر تعقيدًا.

ومع ذلك، يتمسك البعض بحل الدولتين لأنه، حتى الآن، يبدو الخيار الأقل كلفة والأكثر قابلية للتوافق الدولي. فهو يمنح الشعبين حق تقرير المصير، ويطرح إطارًا لإنهاء الصراع بدلًا من ترك المنطقة أمام واقع دائم من الاحتلال والحروب والصراع على الحقوق.

أما البدائل، كالدولة الواحدة أو الكونفدرالية، فما زالت بعيدة عن التوافق الشعبي والسياسي لدى الطرفين، وتحمل بدورها أسئلة صعبة حول الهوية والسيادة والحقوق والأمن.

لكن التمسك بحل الدولتين لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعار دبلوماسي يتكرر في البيانات الدولية. فالحل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وضغط دولي قادر على تغيير الوقائع، ووقف الاستيطان والضم، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أساس ديمقراطي، وضمانات أمنية حقيقية للطرفين.

في النهاية، يبقى حل الدولتين معلقًا بين أمل المجتمع الدولي وحقائق الأرض. وربما لم يعد السؤال: هل نريد حل الدولتين؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما زال هناك وقت لإنقاذه قبل أن يصبح مجرد فكرة تاريخية جميلة، دفنتها الوقائع السياسية والجغرافية؟

فالسلام لا يصنعه تكرار الشعارات، وإنما تصنعه الإرادة السياسية، والعدالة، والقدرة على تحويل القرارات الدولية من نصوص مكتوبة إلى واقع يعيش فيه الفلسطيني والإسرائيلي بأمن وكرامة وحقوق متساوية.