اتفاق مكة: إعادة بناء المنظومات الأمنية
نشر بتاريخ: 2026/08/12 (آخر تحديث: 2026/08/12 الساعة: 16:23)

يعتبر اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي عقد بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، تحولاً نوعياً مهماً في صياغة وبناء المنظومات الأمنية في المنطقة. فهذا الاتفاق ليس مجرد تعاون أمني بين الدول الثلاث، بل يذهب بعيداً لاعتبار أن أي هجوم على أي دولة هو هجوم عليها جميعاً يستوجب انخراطها في الدفاع عن الدولة المُهاجَمة. وهو على غرار ما هو منصوص عليه في معاهدة حلف «الناتو» في المادة الخامسة. ويمثل هذا التطور تغيراً إستراتيجياً في التعامل مع المخاطر الأمنية التي تهدد الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو نتيجة للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي لا تزال مستمرة، خاصة بين أميركا وإيران.

لا شك أن الحرب ضد إيران، والتي تمت بعيداً عن القانون الدولي ولا ترتبط بأي قرار صادر عن مؤسسة أو هيئة دولية، أحدثت تغييراً كبيراً على الوضع في الخليج والشرق الأوسط عموماً. فلم تُسقِط النظام في إيران كما رغبت واشنطن وتل أبيب، بل إن سيطرة النظام على البلاد ازدادت قوة، وما التعيينات التي قام بها المرشد الجديد مجتبى خامنئي سوى رسالة بهذا الشأن تؤكد تحكم الحرس الثوري و»الباسيج» ومقر خاتم الأنبياء بزمام الأمور. ولا هي حققت أياً من أهدافها الأخرى، لا إنهاء البرنامج النووي الإيراني ولا الصواريخ البالستية ولا شلت أذرع إيران في المنطقة، بل بالعكس خلقت مشكلة جديدة تتعلق بمضيق هرمز أثرت على الاقتصاد العالمي وأضحت المسألة الأهم الآن. كما سمحت الحرب لإيران باستهداف الدول العربية في الخليج وخارجه التي فيها قواعد أميركية، وأثبتت عجر الولايات المتحدة عن حماية هذه الدول. وهذا ربما يكون أحد أهم الأسباب لتشكيل التحالف الدفاعي الجديد. فدول المنطقة باتت لا تعتمد على المظلة الأميركية في حماية نفسها، وتبحث الآن عن بدائل إقليمية محلية.

حلف مكة الدفاعي يعكس محاولة جادة لكسر احتكار القوة في المنطقة، وتشكيل بديل إقليمي للقوة الدولية العظمى الأهم لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة. صحيح أن الدول الثلاث تربطها علاقات مميزة مع الولايات المتحدة، وإحداها وهي تركيا عضو في حلف «الناتو»، ولكن هذا الحلف يمس بهيبة ونفوذ أميركا، ويعكس عدم ثقة بقدرة واشنطن على حماية الأمن الإقليمي، وبالتالي اضطرار الدول المعنية للبحث عن سبل أخرى لحماية نفسها من خلال الاعتماد على قدراتها وتطويرها بشكل يمنع أي طرف من الاعتداء عليها. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن الدول الثلاث قوية عسكرياً، خاصة باكستان التي تمتلك مقدرات كبيرة بما في ذلك السلاح النووي، وتستطيع مواجهة قوة كبيرة كالهند التي تملك جيشاً متطوراً للغاية. كما أن تركيا لديها صناعات عسكرية قوية ولها سمعتها وبالذات الطائرات المسيّرة. أما السعودية فقد اشترت أسلحة حديثة ومتطورة من الولايات المتحدة، والأهم أنها تملك المال الذي يساعد الدول الحليفة في تطوير منظومات الأسلحة وتعزيز قدراتها بصورة كبيرة. ويجب عدم نسيان أن هناك اتفاقاً عقد بين الولايات المتحدة والسعودية على بناء مفاعل نووي للأغراض السلمية في السعودية يضمن لها القدرة على تخصيب اليورانيوم.

في الواقع، يمثل الحلف الجديد تحدياً جدياً لإيران على المدى المتوسط والبعيد. فالدول الثلاث مجاورة لإيران، والتعاون فيما بينها لا شك سيكسبها أفضلية في حال حصول مواجهة حقيقية معها. وعلى الرغم من أنها تبث رسائل مطمئنة بأن هذا الحلف دفاعي، تفهم إيران المغزى الحقيقي له في أعقاب الاعتداءات الإيرانية على السعودية ودول الخليج العربي. والهدف الأهم لوجوده ليس الحرب بقدر ما هو الردع الذي يجعل دولاً أخرى تفكر ألف مرة وتحسب الحساب قبل أن تقدم على الاعتداء على أي دولة من دول هذا الحلف.

ومن دون شك، يزعج هذا الحلف إسرائيل بصورة جدية وكبيرة، كونه يضم دولاً إسلامية سنية كبيرة ومهمة بعضها له علاقة متوترة مع تل أبيب، وهو عملياً البديل لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية. فقد كانت إسرائيل تطالب بعقد اتفاق تطبيع مع السعودية، وحاولت وضع ذلك كشرط لتوقيع الاتفاقية النووية بين واشنطن والرياض، ولكنها الآن تلقت حلفاً غير صديق في المنطقة سيضعف دورها المزعوم في حماية الأمن الإقليمي كقوة وذراع للقوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة. وعملياً يعتبر الحلف الجديد ضربة للدور الإسرائيلي وتحجيماً له. والحكومة الإسرائيلية الحالية تخشى بشدة من تعاظم قوة الدول الإسلامية، خاصة السعودية، وترى في برنامجها النووي تهديداً لإسرائيل التي تريد الحفاظ على وحدانية امتلاك القدرات النووية في المنطقة وتريد تدمير البرنامج النووي الإيراني. فكيف بها تواجه الآن برنامجاً نووياً سعودياً وتحالفاً بين دول إحداها تمتلك سلاحاً نووياً ويمكنها مساعدة السعودية على تطوير قدرات نووية قد تصل إلى مرحلة تطوير برنامج عسكري على غرار إيران. وفي كل الأحول ألقى هذا الحلف الدفاعي الجديد حجراً كبيراً في مياه التوازنات الإقليمية والدولية في المنطقة وسيكون له تأثير مهم في المستقبل.