فتح في لبنان.. سلطة بلا حقوق
نشر بتاريخ: 2026/08/11 (آخر تحديث: 2026/08/11 الساعة: 12:54)

ثمة مفارقة فلسطينية باتت أكبر من أن تُخفى خلف البيانات والعبارات التنظيمية: قيادة فلسطينية يفترض أن تكون مهمتها حماية مصالح اللاجئين الفلسطينيين والدفاع عن قضيتهم، تبدو في بعض الأحيان أكثر انشغالاً بإدارة النفوذ داخل البيت الفلسطيني من انشغالها بإدارة المعركة السياسية من أجل حقوق شعبها. وفي لبنان تحديداً، حيث يعيش الفلسطيني منذ عقود بين المخيم المحاصر والحق المؤجل والحرمان المتراكم، تبدو المفارقة أكثر قسوة: حقوق أساسية لم تُنتزع، ومخيمات تتآكل، وشباب يبحثون عن فرصة للحياة، فيما تستمر ماكينة السلطة الفلسطينية في إنتاج الصراعات الداخلية والاصطفافات والمواقع.

المشكلة هنا ليست في شخص واحد، ولا تبدأ من ياسر عباس ولا تنتهي عنده. لكنها تصبح أكثر وضوحاً عندما يتحول نفوذ فرد أو عائلة أو دائرة سياسية إلى عنصر مؤثر في تفاصيل المشهد الفلسطيني، من التعيينات والعلاقات إلى السفراء والمواقع والقرارات. عندها يصبح السؤال مشروعاً: أين تنتهي صلاحيات المؤسسة وأين يبدأ نفوذ الأشخاص؟ ومن يحاسب من؟ ومن يملك حق مساءلة القيادة نفسها عندما تتحول منظمة التحرير، التي يفترض أن تكون مظلة الفلسطينيين، إلى ساحة صراع على النفوذ؟

قضية السفير الفلسطيني الأسبق في لبنان أشرف دبور، وما أثير حول إصدار مذكرة بحقه، لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها خلافاً شخصياً أو معركة بين أسماء فلسطينية. المسألة أكبر من ذلك بكثير. فإذا كانت هناك مخالفات أو تجاوزات، فالمطلوب تحقيق مؤسساتي واضح، وأسباب معلنة، وإجراءات قابلة للمراجعة، لا قرارات تفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات. أما إذا كانت الأدوات التنظيمية والقانونية تستخدم لإقصاء الخصوم أو إعادة ترتيب موازين القوة داخل الساحة الفلسطينية، فهنا لا تعود القضية قضية سفير سابق، وإنما قضية مؤسسة بأكملها.

والسؤال الأكثر إحراجاً ليس لماذا يختلف الفلسطينيون، فالاختلاف طبيعي، وإنما لماذا يبدو أن الخلاف داخل المؤسسة الفلسطينية يتحول دائماً إلى معركة على الأشخاص والمواقع، بينما يبقى اللاجئ الفلسطيني في لبنان خارج جدول الأولويات؟ لماذا يستطيع القرار السياسي أن يتحرك بسرعة عندما يتعلق الأمر بتعيين أو إقالة أو مذكرة، لكنه يبدو عاجزاً عندما يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين المدنية والاجتماعية والاقتصادية؟ ولماذا يستطيع أصحاب النفوذ الوصول إلى كل الملفات، فيما لا يستطيع أبناء المخيم الوصول إلى أبسط حقوقهم؟

الفلسطيني في لبنان لا يطلب من منظمة التحرير أن تمنحه دولة، ولا أن تحول المخيمات إلى كيانات خارجة عن الدولة اللبنانية. إنه يريد ببساطة أن يعيش بكرامة. يريد العمل، والتعليم، والرعاية الصحية، والسكن اللائق، ومستقبلاً لأبنائه لا يكون محكوماً بالهجرة أو الفقر أو الانتظار. يريد أن يشعر بأن المؤسسة التي تقول إنها تمثله تسمع صوته، لا أن تتذكره فقط عندما تحتاج إلى صورة جماهيرية أو مهرجان سياسي أو صندوق انتخابي.

وهنا تحديداً تصبح مأساة المخيمات فضيحة سياسية أكثر منها مجرد أزمة اجتماعية. فمنظمة التحرير الفلسطينية ليست جمعية خيرية، وحركة فتح ليست مجرد تنظيم حزبي؛ كلاهما يحملان تاريخاً وثقلاً سياسياً يجعل مسؤوليتهما تجاه الفلسطينيين أكبر من مسؤولية أي حزب عادي. ولذلك فإن استمرار البؤس في المخيمات، بالتوازي مع تضخم شبكات النفوذ السياسي، ليس تفصيلاً يمكن دفنه في البيانات الرسمية.

أما ياسر عباس، فإن الحديث عن دوره لا ينبغي أن يتحول إلى حملة شخصية. المطلوب هو وضع السؤال في مكانه الصحيح: هل أصبحت القرارات الفلسطينية في لبنان تُدار من خلال المؤسسات أم من خلال مراكز النفوذ؟ وإذا كانت هناك تدخلات في الشأن الفلسطيني اللبناني، فمن يملك صلاحية القيام بها؟ ومن يراقبها؟ ومن يستطيع مساءلة صاحب القرار عندما يتجاوز حدود موقعه؟

هذه الأسئلة ليست تشهيراً. إنها الحد الأدنى من السياسة الرشيدة. فالمؤسسة التي تخاف من السؤال لا تكون مؤسسة قوية، والقيادة التي ترى النقد مؤامرة تكون قد فقدت أحد أهم شروط الشرعية.

لقد آن الأوان لأن تتوقف فتح ومنظمة التحرير عن التعامل مع الفلسطيني في لبنان باعتباره رقماً في دفاتر التنظيم أو جمهوراً مضموناً في المناسبات. المخيمات ليست خزانات بشرية للخطابات، والسفير ليس موظفاً قابلاً للتبديل وفق ميزان القوى، والفلسطينيون ليسوا ملكية سياسية لأحد.

القضية الفلسطينية أكبر من فتح، وأكبر من منظمة التحرير، وأكبر بالتأكيد من أي عائلة أو مسؤول أو مركز نفوذ. ومن الخطير أن يتحول الصراع على تمثيل القضية إلى صراع على امتلاك الفلسطيني نفسه.

يبقى السؤال الذي لا يمكن دفنه ببيان ولا إسكاتُه بمذكرة: كيف تستطيع قيادة فلسطينية أن تكون بهذه القوة في إدارة الخلافات داخل البيت الفلسطيني، وبهذا الضعف في الدفاع عن أبسط حقوق الفلسطينيين في المخيمات؟ ربما تكون المشكلة ليست أن فلسطين بلا قضية، وإنما أن بعض من يتحدثون باسم القضية نسوا أن أول ما تحتاجه القضية هو شعب يشعر أن ممثليه يعملون من أجله، لا فوقه.