محمد دحلان وهندسة الحلول... عندما يصطدم الاتفاق بجدار الرفض الإسرائيلي
نشر بتاريخ: 2026/08/03 (آخر تحديث: 2026/08/03 الساعة: 12:22)

في عالم الهندسة، لا يكفي أن يرسم المهندس أفضل المخططات وأكثرها دقة، فنجاح المشروع يبقى مرهونًا بتوفير مواد البناء، والتزام المنفذين بالخطة المرسومة، وقدرتهم على تحويل الرؤية إلى واقع. وعندما ينهار المبنى، لا يكون الخطأ دائمًا في التصميم، بل قد يكون في التنفيذ أو فيمن قرر هدم ما تم بناؤه.

هذه القاعدة تنطبق إلى حد كبير على المشهد السياسي المرتبط بقطاع غزة، وعلى الجهود التي بُذلت خلال الأسابيع الماضية للوصول إلى اتفاق يوقف الحرب ويضع حدًا لمعاناة الفلسطينيين. فالاتفاقات لا تُبنى بالنوايا فقط، بل تحتاج إلى إرادة سياسية تحميها وتضمن استمرارها.

في هذا الإطار، برز دور محمد دحلان ضمن الجهود السياسية والإقليمية الرامية إلى إنجاح مسار التهدئة ووقف الحرب. فقد شارك، إلى جانب الوسطاء الإقليميين والدوليين، في دعم رؤية سياسية تهدف إلى إنهاء العدوان وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة الإعمار. لكن المشكلة لم تكن يومًا في رسم التصورات أو تقديم المبادرات، بل في وجود أطراف لا تزال ترى في استمرار الحرب مصلحة سياسية مباشرة.

ولعل تصريح دحلان الأخير يلخص هذه الرؤية حين أكد أن بنيامين نتنياهو يسعى إلى قتل أي فرصة حقيقية لإنهاء الحرب، وأن المجازر المستمرة في غزة تستهدف قطع الطريق أمام الجهود السياسية التي بُذلت خلال الفترة الماضية. وهي قراءة تتقاطع مع قناعة متزايدة لدى كثير من المراقبين بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تنظر إلى الاتفاقات من زاوية إنسانية أو سياسية، بل من زاوية حساباتها الداخلية ومصالحها الحزبية.

وتعزز هذه القناعة التقارير الإعلامية الإسرائيلية التي تحدثت عن مطالبة واشنطن لإسرائيل بـ"الاعتدال" في غاراتها الجوية على قطاع غزة. فمثل هذا الموقف يثير تساؤلات عميقة حول حدود الضغط الأمريكي على إسرائيل، وحول مدى استعداد الإدارة الأمريكية لاستخدام نفوذها السياسي لفرض وقف حقيقي للحرب، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة أو احتواء تداعياتها.

ومن هنا تبدو المشكلة أوسع من مجرد تعثر اتفاق أو تأخر تنفيذ تفاهمات. فالأزمة تكمن في غياب إرادة دولية حاسمة تلزم الاحتلال باحترام أي اتفاق يتم التوصل إليه. وقد اعتاد الفلسطينيون خلال العقود الماضية على رؤية اتفاقات تولد وسط أجواء من التفاؤل، ثم تتعثر أو تنهار أمام التعنت الإسرائيلي وضعف الموقف الدولي.

المفارقة أن محمد دحلان كان يحلم في شبابه بدراسة الهندسة قبل أن تتجه به الظروف إلى دراسة التربية الرياضية في مصر وهو في التاسعة عشرة من عمره. غير أن شيئًا من عقلية المهندس ظل حاضرًا في مسيرته السياسية؛ عقلية تقوم على التخطيط ورسم البدائل والبحث عن المخارج الممكنة للأزمات المعقدة.

واليوم، وبين رشاقة القرار السياسي ومنهجية التفكير الهندسي، يواصل دحلان تقديم رؤى وحلول يراها مؤيدوه واقعية وقابلة للتطبيق. غير أن هذه الرؤى تصطدم في كل مرة تقريبًا بعقبتين أساسيتين: التعنت الإسرائيلي من جهة، والتردد الأمريكي والدولي من جهة أخرى.

لقد فقد الشعب الفلسطيني جانبًا كبيرًا من ثقته بالمجتمع الدولي وبقدرته على حماية الاتفاقات التي تُبرم باسمه. فآلاف الضحايا الذين سقطوا بعد إعلانات وقف إطلاق النار أو خلال مراحل التفاوض المختلفة يطرحون سؤالًا مؤلمًا: ما قيمة أي اتفاق إذا لم توجد جهة قادرة على ضمان تنفيذه؟

في النهاية، قد ينجح المهندس في رسم أفضل الخرائط، وقد يضع أدق التصورات وأكثرها واقعية، لكن البناء لن يكتمل إذا أصرّ من يملك أدوات التنفيذ على هدم ما يُبنى. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية في غزة؛ فالمشكلة ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة القادرة على تحويل تلك الحلول إلى واقع ينهي الحرب ويمنح الفلسطينيين حقهم في الأمن والحياة والكرامة.