أهل الكهف في غزة
نشر بتاريخ: 2026/06/23 (آخر تحديث: 2026/06/24 الساعة: 01:27)

لأنهم فتية آمنوا بأوطانهم فقد دخلوا وأدخلوا معهم كل غزة إلى الكهف... هكذا بدت حكاية غزة ولا زالت تنتظر من الأرض مشرقها ومغربها أن يقيموا عليهم مسجداً ليغتسلوا من عار الصمت ويتطهروا...

سواء أحب الناس المقاتلين أو اختلفوا مع التنظيمات نفسها ، فثمة حقيقة واضحة لا تغشاها العين، وهي أنهم فيهم فتية آمنوا بحركتهم وذاتهم حد المغامرة المجنونة، إيماناً جعلهم يستسهلون مواجهة ملوك اليمين الديني في حكومة الاحتلال، وأعنف وأجرم قوة عسكرية في المنطقة، ليصلوا إلى تلك النقطة حين وجدوا أنفسهم ومعهم مليوني مواطن من السكان المدنيين في جوف كهف معزول عن العالم، ليس معهم ما يكفيهم من طعامٍ أو مونة للصبر على أعنف حصار وأبشع تجويع جماعي شهده التاريخ الحديث.

في الكهف توقف الزمن، فالصغار صاروا كبارا قبل أن يشبعوا من طفولتهم وكِرامَ القومِ صاروا أذلة على طوابير تكايا الجائعين، والكريمات المعززات في بيوتهن صٍرنَ أرامل يُعٍلْنَ جيشاً من صغارِ اللحم.

لم يبعثوا ورقهم لأحد كما فعل أصحاب الكهف ، فما لدى الغزيين من أوراق مالية أُهتُرِئتْ وتكالبَ اللصوصُ والمجرمون على ما في جعبةِ الفقراء من بقايا مال يجمعونها دون ان يَحْذَروا أحداً من القوم ولم يتطلفوا، فلا احد سيشعر بهم.

غرباء كانوا في كهفهم يحاصرهم الجند من كل جانب، الفقد رفيقهم اليومي، كانوا ثلاثة ورابعم مات ليلة أمس، وفي زاوية أخرى كانوا خمسة ناموا في احضان خيمة ولم يستيقظوا ، وكلابهم حين جاعت إلتَهَمتْ رفات من مات منهم على أرصفة الكهف دون ان ينالوا حقهم في قبر يستر عورة مماتهم.

يقال في الأساطير أن الانسان في الكهف لا يشعر بالوقت، يداهمه قطار العمر، وتمر محطات الحياة أمام عينيه مروراً عابراً سريعاً وخاطفاً، كانت ابنتي قبل الحرب طفلة تلهو بعروستها، لا أعرف كيف ومتى صارت عروساً تبحث لنفسها عن زاوية على الرصيف أو في الشارع لتبني خيمتها.

استيقظ أهل الكهف في الاسطورة التاريخية وعرف الناس بمعجزتهم وتاريخهم الطويل في السبات العميق، فقرروا ان يبنوا عليهم مسجدا, بينما في غزة لم يستيقظ الناس ولم يموتوا ولم يحيوا ولم ترسوا سفينة التيه على أي شاطئ، ولم يستيقظ ضمير العالم، فلا زال ضميره في سباته، لكن بعضا هذا العالم قرر منذ زمن بعيد أن يبني على غزة مسجداُ يقف على بابه لجمع التبرعات ويتطهر فيه من نجاسة ما أصابه من عجز .

تلك هي الحقائق التي يكررها التاريخ أمام أعيننا يوما بعد يوم فيما تقف غزة ضحية وشاهدة، أسيرة قوتها الكامنةليس في سلاحها بل في كونها غزة ، ظالمة ومظلومة وحبيسة جهل بعض من ظنوا أنهم حراس الكهف.

غزة لن تطهركم من ذنوبكم فهي ذاتها مليئة بالذنوب، لكن قدرها ان تكون على شاطئ المتوسط حارسة لبوابة التاريخ، تصنعه وتدفع الثمن وتقوده وتخسر ولا تستسلم، تنكفئ ثم تثور وكأنها آخر ما تبقى من انفاس الأرض وأطهر بقاعها.

قدرها أن تدفع ثمن انها رهنت موقفها وسلاحها ذات يوم للآخرين ، بعد ان كانت صانعة الثورة والانتفاضتين والكيانية الفلسطينية , وقدرها ان لا أن تتبع لأحد وأن تقود ولا تقاد ولو بعد حين .