هل تتحول إيران؟
نشر بتاريخ: 2026/06/23 (آخر تحديث: 2026/06/23 الساعة: 15:52)

تختلف قراءة مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية من جهة سياسية إلى أخرى. فثمة فرق بين قراءة كل بند من بنود المذكرة على انفراد وما يتضمنه من مكاسب وأرباح، وبين قراءة بنود المذكرة وعناوينها وربطها بمحصلة أخيرة للاتفاق. معظم البنود تقول: إن النظام الإيراني حصل على مكاسب من أوزان ثقيلة ومتوسطة، ما يعزز قول المفاوض الإيراني قاليباف: «حققنا عشرات الأضعاف من خلال المفاوضات وهو أكثر مما أردنا تحقيقه بالحرب». وكانت أهم المكاسب الإيرانية: إزالة القيود عن الصادرات النفطية والمنتجات البترولية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع القيود عن الحوالات والمعاملات البنكية، واعتماد صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار. وربط الملف اللبناني بالمفاوضات الأميركية الإيرانية وكأنه بديل لمفاوضات الحكومة اللبنانية في واشنطن.

مقابل ذلك، فإن المذكرة لا تحقق الأهداف التي أعلنتها إدارة ترامب منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وهي: إسقاط النظام، إنهاء البرنامج النووي، تدمير مخزون الصواريخ البالستية، تفكيك شبكة الحلفاء، ووضع حد لقمع الاحتجاجات الشعبية الإيرانية. خلافاً لذلك، قبلت إدارة ترامب بأقل من ذلك بكثير، كتخصيب اليورانيوم بمستوى منخفض، وتراجع عن تدمير الصواريخ البالستية، والقبول بتمسك إيران بوقف إطلاق النار في لبنان الذي يكرس دور «حزب الله» ويربطه بإيران متجاهلاً قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان.

لماذا حدث هذا التبدل؟ يقول ترامب: «كان بإمكاننا إلقاء المزيد من القنابل لمدة عامين آخرَين، لكن إيران ما كانت لتتراجع ولظل مضيق هرمز مغلقاً، ولانخفض سوق النفط انخفاضاً حاداً». هذا الكلام صحيح، فقد أثبت النظام الإيراني أنه لا يكترث بالخسائر والتدمير والأثمان التي يدفعها البلد والشعب والمؤسسة والبنية التحتية طالما بقي النظام على قيد الحياة ومسيطراً على البلد. وفي هذا الخضم للنظام باع طويل في تحمّل العقوبات والالتفاف عليها أحياناً، الشيء نفسه ينطبق على فصائل المحور الإيراني وتحديداً «حزب الله» وحركة «حماس». فقد دمر العدوان الإسرائيلي 80% من قطاع غزة، وأوقع أكثر من ربع مليون ضحية بين شهيد وجريح ومفقودـ وتحول قطاع غزة إلى جحيم لا يطاق، ولم تفكر قيادة «حماس» في إنهاء الحرب من أجل وقف الموت والدمار، بل اعتبرت خطة ترامب بمثابة نصر. وكذلك فعل «حزب الله» مؤخراً عندما بادر إلى دخول الحرب؛ ردّاً على اغتيال المرشد الأعلى وهو يعلم أن الرد الإسرائيلي الوحشي سيلحق الدمار والموت والتشرد بقرى ومدن وأبناء الجنوب والضاحية، ومع ذلك واصل «حزب الله» الحرب وربط مصيره بمصير إيران.

عندما يكون الطرف الآخر في الصراع هو دونالد ترامب الذي ديدنه الربح والمزيد من الربح، فإنه يتعامل مع الحرب والسياسة بوصفهما صفقة تجارية بمردود مجز أو العكس. فقد اندفع إلى وقف الحرب، عارضاً مغريات اقتصادية للنظام الإيراني لتفادي المزيد من الخسائر الاقتصادية، وأثلج صدره الانتعاش الملحوظ للأسواق، وانخفاض أسعار النفط، وارتفاع أسعار الأسهم. لا شك في أن ما يهم ترامب هو إرضاء أصحاب الأسواق وإرضاء قاعدته الانتخابية، لكنه لم يكترث لإرضاء حليفه نتنياهو الذي أغاظه الاتفاق وحاول تعطيله دون جدوى.

لا يمكن اختصار الحرب المدمرة بأن إيران منتصرة، وأميركا مهزومة، أو أن إيران انتصرت سياسياً وهزمت عسكرياً على غرار حرب السويس في العام 1956. مثل هذه النتيجة لا تُختصر في بنود عمومية ووعود بمعزل عن الاتفاق النهائي وثيق الصلة بالوقائع وميزان القوى وطبيعة النظام الدولي المهيمن.

إن مستوى التدمير الذي لحق بالبنية العسكرية والاقتصادية والصناعية الإيرانية الذي يقدره ترامب بتريليونَي دولار، وتقدره مؤسسات دولية بـ 400 - 500 مليار دولار، يحتاج بالحد الأدنى إلى 300 مليار دولار كما ورد في مذكرة التفاهم، ويحتاج لمدى زمني قد يستغرق 10 سنوات لترميم وإعادة بناء كل ما تم تدميره وإعادته على أقل تقدير إلى مستواه قبل الحرب، هذا على افتراض أن الدول الخليجية ستستجيب لمتطلبات إعادة الإعمار، وأن النظام الإيراني سيستجيب لشروط تاجر العقارات وفريقه في تفاوض الـ60 يوماً.

ليس من الصعب التعرف على هدف ترامب وهو الانتقال من الحرب إلى التعايش في العلاقة مع النظام الإيراني. والتعايش في عرف ترامب يعني تغيير قواعد اللعبة والانتقال إلى مسعى احتواء النظام الإيراني ودخوله راضياً مرضياً إلى الحظيرة الأميركية. ويعتقد ترامب أن التعايش مع النظام الإيراني سيدر أرباحاً كبيرة بدءاً بعملية إحياء الاقتصاد الإيراني بالاستناد إلى «من وصفهم ترامب بأشخاص عقلانيين أقوياء وأذكياء في القيادة الإيرانية الحالية»، وأقلها تفادي تكلفة الحرب التي بلغت بحسب البنتاغون حوالى 20 مليار دولار.

ما لم يثبت العكس، فإن تقديرات وقرارات ترامب غالباً ما يجانبها الصواب، فلا أحد يستطيع التكهن فيما إذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي خلال الـ60 يوماً أو أكثر. سيما أن مذكرة التفاهم أغدقت على النظام الإيراني الكثير، خاصة نجاحه في انتزاع وقف الاجتياح الإسرائيلي لمدن لبنانية كالنبطية وصور والبلدات المحاذية لمدينة صيدا ومواقع إستراتيجية شمال الليطاني، ووقف استهداف ضاحية بيروت الجنوبية، ما قد يشجعه على التشدد وطلب المزيد. لقد ثبت أن إغلاق النظام الإيراني لمضيق هرمز وامتلاكه القدرة على استئناف الإغلاق كما حدث في اليومين السابقَين، أضاف للنظام سلاحاً اقتصادياً استطاع من خلاله تحسين شروطه التفاوضية. ويملك النظام الإيراني ورقة أخرى لا تقل أهمية، وهي تهديد مراكز وحقول ومشاريع الطاقة في دول الخليج العربي، وما يسببه استهدافها من خسائر ضخمة.

السؤال الأهم من يقبل ترسيم الانتهاك الإيراني لسيادة لبنان والعراق واليمن، خلافاً لما جاء في البند رقم 2 من مذكرة التفاهم الإيرانية: (تتعهد الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية باحترام سيادة كل منهما وسلامة أراضيها والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية). مع أن إيران لا تحترم سيادة لبنان وتتدخل في شؤونه الداخلية، وهي تتفاوض حول لبنان باعتباره ملحقاً بها، فتتخذ قرار الحرب وقرار وقف إطلاق النار بالشراكة مع «حزب الله» الذي يدين لها بالولاء، وسبق أن رفضت إيران قرار الحكومة اللبنانية بإبعاد السفير الإيراني بسبب تدخلاته المتكررة في الشأن اللبناني، وما زال مقيماً في لبنان بالضد من الموقف الرسمي وأكثرية الشعب اللبناني. هل يضمن الاتفاق النهائي التزام إيران بمبدأ عدم التدخل واحترام سيادة البلدان الأخرى؟

الموقف اللافت أن إيران لم تنبس ببنت شفة عن حرب الإبادة والاستباحة الإسرائيلية التي تواصل دولة الاحتلال شنها على الشعب الفلسطيني. هل شطبت إيران قضية فلسطين من اهتمامها ولم تعد فلسطين ساحة من ساحاتها. لم يكن هذا الموقف مفاجئاً، فقد سبق لإيران أن تركت «حماس» والجهاد الإسلامي وفصائل المقاومة الأخرى تواجه مصيرها لوحدها، خاصة بعد أن توقفت الحرب في لبنان. السؤال: هل يتوقف النظام الإيراني عن استخدام فلسطين كورقة؟