لم يعد يخفى على أحد خطر انتشار السلاح مع بعض العائلات التي تحتكم إلى منطق القوة والكثرة، هذا الخطر الذي يهدد ليل نهار السلم المجتمعي وعلاقة العائلات ببعضها البعض، خاصة في ظل فراغ أمني كبير يسيطر على قطاع غزة بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، وغياب العناصر الأمنية ومقراتها عن المشهد حين تقع الكارثة بسبب ملاحقة الاحتلال لهم...
لقد مر القطاع بأبشع صور الفوضى والفلتان خلال هذه الحرب... من سرقة المساعدات تحت تهديد السلاح، والسطو على سيارات المواطنين، وحتى وصل الأمر إلى اقتحام وسرقة بيوت النازحين أثناء غيابهم...
حالة الفوضى كرست مرحلة جديدة لم يشهد لها القطاع مثيلاً... رُوّع بها الرجال قبل النساء... وقتلت روح البراءة عند الأطفال... وغاب الترابط الأسري بين العائلة الواحدة... وهجرت المحبة والمودة قلوب أصحاب النفوس الضعيفة التي سنحت لها الفرصة أن تكبر وتتمدد...
والأخطر في المشهد... تباهي بعض العائلات بسلاحها واستعراض قوتها في المناسبات والشوارع والحارات، وكأن الأمر مدعاة للفخر لا لتدني أخلاقهم وسوء سمعتهم وبطشهم... والأشد خطورة أن من يحمل السلاح هم أطفال وصبية العائلات ومراهقوها الذين أصبحوا فتية فقط خلال أيام الحرب، ولا يعرفون ولا يفهمون معنى أن تطلق رصاصة إلى صدر جارك أو أخيك في بلدٍ يطلب الرحمة ليل نهار...
قبل أن نبدأ بسلاح الفصائل أوقفوا سلاح العائلات، هذا الخطر الأكثر انتشاراً بين الخيام وبالطرقات بين أيدي زعران هذه العائلات، وللأسف فإن جزءاً من سلاح العائلات هو سلاح بالأصل يتبع للفصائل ويحتكم لها.. لكن عندما تقع الكارثة يصبح السلاح أداة شرف لا يُغسل إلا بالدماء... عشرات حالات القتل بدم بارد وقصص صغيرة تحولت إلى ساحة حرب بين هذه العائلات، وما زال الدم يسيل والجرح ينزف ويفتح جروحاً أخرى نحن في غنى عنها...
غابت لغة الحكمة والعقل عند كبارهم، وبعض كبارهم هم للأسف من يطلبون الدم، وكأن الدم قربان لتكبير وتعظيم عائلتهم وأبنائها... تشكيلات وعصابات وبلطجية جعلت منهم أصحاب رأي وقضية وقيادات وتجاراً يتفاخرون بعظيم جهلهم وقلة إيمانهم وغياب انتمائهم الديني والوطني...
مرحلة تبدو غريبة علينا وليست منا ولسنا منهم... كل ما في الأمر ظواهر الحرب التي تكشف معادن الناس وحُسن أخلاقهم وتربيتهم... نعم، وقت الأزمات يُكشف عن الأصيل الذي تربى في بيت كريم... وعمن تربى في سوق النخاسة التي سرعان ما يُكشف عنها مع كل ابتلاء...
ستنتهي... ليس لأننا نريد أن تنتهي بقدر ما هي إرادة الله التي تحكم مصيرنا وتحكم أيضاً ابتلاءاتنا... هذا الاختبار الإلهي الذي يضعنا فيه وقت الكوارث ليخلق منا إما أناساً تعرف الخير أكثر أو أناساً تغرق في مفسدتها أكثر...
وإذا أردنا حياة كريمة لنا ولأبنائنا يجب أن تُجرد هذه العائلات من سلاحها الصغير قبل الكبير... وأن نحتكم إلى لغة العقل والمنطق... لغة المحبة والأخوة قبل لغة القانون الذي يحكم العلاقات بين الناس... طالما كنا كشعب فلسطيني مترابطين ومتحابين، وهذه الفئة فئة دخيلة علينا ويسهل نبذها من بيننا لنعود أبناء بلد واحد، ودين واحد، وعروبة واحدة...