لماذا تراوح الحالة الفلسطينية في مكانها؟
نشر بتاريخ: 2026/06/16 (آخر تحديث: 2026/06/16 الساعة: 20:53)

تراجع الاهتمام الدولي والعربي الرسمي بالقضية الفلسطينية، في ظل نظام دولي تهيمن عليه علاقات المصالح والربح، المترافق مع تأزم الوضع الفلسطيني وخفوت جاذبيته. منذ ما ينوف عن عقد وُضعت القضية الفلسطينية على هامش الاهتمام الدولي والعربي بوصفها قضية غير ربحية، مع استمرار استخدامها من البعض كورقة لتحسين النفوذ.

إن تراجع الاهتمام الدولي والانفكاك العربي الرسمي ساهما في استفراد حكومة نتنياهو والمعسكر الكاهاني بالحالة الفلسطينية وبالمضي قدما في صناعة الوقائع الاستعمارية المتناقضة مع الحل الدولي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

مقابل ذلك، أخذ حضور القضية الفلسطينية يتنامى داخل حراكات واحتجاجات وأنشطة طلابية وأكاديمية ونقابية وفنية ورياضية ومنظمات حقوق الإنسان في العالم وفي أميركا وأوروبا وكندا على نحو خاص. كان رأي عام عالمي جديد يتشكل من خارج مواقف الحكومات وهيمنة امبراطوريات الإعلام، رأي داعم ومؤيد للحقوق الفلسطينية المشروعة. وعندما تعرض الشعب الفلسطيني لحرب إبادة في قطاع غزة وتطهير عرقي في الضفة الغربية بعد 7 أكتوبر، تعاظم الدعم والتأييد والانحياز للحقوق الفلسطينية وبدأ يترك بصماته على مواقف الحكومات والبرلمانات كالاعتراف بالدولة الفلسطينية.

غير أن هذا التطور المهم لم ينجح في كبح أو منع الاستباحة الإسرائيلية للوضع الفلسطيني برمته، الاستباحة التي دخلت في طور إضعاف وخنق جهاز التعليم وجهاز الصحة، اهم أركان تماسك المجتمع الفلسطيني، إضافة إلى نزع كل صلاحيات السلطة وقرصنة أموالها وتقويض الحد الأدنى من دورها المجتمعي، وتحديدا تقويض وظيفتها في الحفاظ على أمن مواطنيها وممتلكاتهم وأرضهم ومحاصيلهم الزراعية وأغنامهم وعملهم، والحفاظ على التعليم وتأمين العلاج والدواء. والأخطر من ذلك، فرضت إدارة ترامب وحكومة نتنياهو مستوى من الوصاية على المؤسسة الرسمية وعلى مجمل الوضع الفلسطيني ورهناه بتغيير غير معلوم. على سبيل المثال، أصبحت مشاركة السلطة في تنفيذ خطة ترامب مرهونة بشروط إصلاح لا حدود لها من ناحية المستوى والزمن، ويملك نتنياهو وحكومته «حق» ممارسة النقض والاعتراض على مستوى تحققها. الغريب في الأمر أن السلطة والمنظمة وحل الدولة الفلسطينية لديها اعتراف 142 دولة، لكن حكومة نتنياهو المدعومة من إدارة ترامب تعطل عمل ودور هذه الشرعية وتدمر مقوماتها على الأرض في ظل تعايش دولي وعربي مع التعطيل. اللافت هنا وجود تماهٍ وتعايش فلسطيني مع وضع الشرعية جانبا. الذين دعوا وما زالوا يدعون لالتقاء قوى الشرعية مع تنظيمات لا تعترف بالشرعية فيما يسمى الإطار القيادي المؤقت، أي مأسسة ازدواجية التمثيل. بدلا من دعوة «حماس» و»الجهاد الإسلامي» للدخول في الشرعية وفقا لأنظمتها. وكان الموقف الأغرب اجتماع «حماس» وفصائل دائرة في فلكها في القاهرة لتقرر تعديلات خاصة بنزع سلاح الفصائل في قطاع غزة. وكأن الفصائل بقيادة «حماس» هي الشرعية، حدث ذلك دون أن تعترض الشرعية على استمرار احتكار «حماس» والفصائل لقرار الحرب واللا حرب. دون أن تعترض الشرعية على تجاوزها كما حدث في مؤتمر تركيا الذي رعته الدوحة.

ما كان ذلك ليحدث لو كان الوضع الذاتي الفلسطيني معافى وقادرا على استخدام طاقته المنظمة في اعتراض الاستباحة الإسرائيلية وفي بناء جسور للدعم والتضامن مع أصدقائه وكل الداعمين لحقه في تقرير المصير وحقوقه الإنسانية، بما في ذلك القوى والمجموعات والمنظمات الإسرائيلية. وما كان يحدث لو كانت علاقة المؤسسة الرسمية مع مجتمعها إيجابية وقائمة على قواعد من الثقة وحقوق المواطنة والمساواة أمام القانون. للأسف ثمة أزمة ثقة بسبب الخروج عن تلك القواعد واستبدالها بتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة والامتناع عن الإصلاح والتجديد والمساءلة والمحاسبة واعتماد نظام - الكوتا – المحاصصة والواسطة والمحسوبية والولاء والفئوية في بناء المؤسسات لنصبح أمام بنية مترهلة ومشوهة غير قابلة للإصلاح المطلوب مجتمعيا وهو الإصلاح الذي يختلف جذريا عن الإصلاح المطلوب «دوليا».

وللأسف لا يقتصر الخلل على المؤسسة الرسمية، بل يمتد بأشكال مختلفة إلى مؤسسات المجتمع المدني ونخبه ما يجعل الأزمة من طبيعة بنيوية.

أمام الخطر الداهم والذي وصل إلى حلقته الأخطر ممثلا بالحل العدمي الإسرائيلي الذي تدور رحاه على الأرض. لم تعد قواعد العمل الداخلي التي تنتمي للحرب الباردة قادرة على مواجهة هذا الخطر، أو قادرة على الصمود البَنّاء في وجهه. لا يوجد متسع من الوقت لإعادة بناء المؤسسة وإصلاحها. وفي الوقت نفسه، لا توجد مصلحة عامة وطنية ومجتمعية في انهيار المؤسسة الشرعية التمثيلية مهما بلغ مستوى العطل فيها. هذه المؤسسة التي بُنيت وتشكلت خلال عقود من النضال إذا انهارت فلن تعود مرة أخرى. سنعود إلى ما قبل مؤسسة وما قبل المجتمع المدني. إن الانهيار الذي تسعى إليه حكومة نتنياهو – سموتريتش يعني تفكك المجتمع المدني لصالح عائلات وعشائر ومخاتير وميليشيات تحت سقف سلطة الاحتلال.

وفي وضع كهذا، يكتسب الحفاظ على المؤسسات الشرعية والحيلولة دون انهيارها أهمية كبيرة ولا يتعارض مع ذلك، تشكيل هيئات عمل تضم كفاءات وطنية وأصحاب خبرة ومهارة، بدعم من المؤسسة الرسمية الشرعية. على سبيل المثال، نحتاج إلى حكومة طوارئ مصغرة للإنقاذ وبناء جسور الثقة الداخلية ومع الخارج، حكومة تضع في مركز اهتمامها إنقاذ جهازي التعليم والصحة وضمان الغذاء والدواء للمواطنين. إلى جانب ذلك، هناك حاجة للتغيير في الجهاز الإعلامي وخطابه وسياساته، ومن السهل إعادة بناء اتحادات المرأة والعمال والكتاب واتحادات مهنية. وثمة حاجة لنقابات تدافع عن العمال ولمؤسسة ضمان اجتماعي مستقلة. التغيير ممكن من تحت ولا شك أن كل نجاح فيه سينعكس على التغيير من فوق الذي سيصبح تحصيل حاصل.

بقي القول، إن التغيير والاستنهاض والصمود تبدأ بتطوير الأفكار والمفاهيم التي أصبحت من الثوابت. السلاح والمقاومة شكل من أشكال النضال وليس أيقونة مقدسة، من المنطقي إذا فشل وأدى إلى نتائج وخيمة أن يتم الانتقال إلى أشكال أخرى. نقد الأخطاء والمخطئين واجب كل مواطن ومواطنة ولا يجوز تخوين المنتقد كما ورد في تغريدة مواطنة من رام الله تعليقا على المسيرة المزمع تنظيمها في قطاع غزة، تقول، إن من يتظاهر ضد سلاح «حماس» في غزة يستحق القتل بوصفه خائنا. هذا ليس موقفا فرديا معزولا بل جزء من ثقافة تخوين المختلف التي تشكل نقيضا للحق في الاختلاف، ومشروعية التعدد السياسي والثقافي والديني، والحق في التعبير، تلك الحقوق المتوفرة في تراث الثورة الفلسطينية، وفي تراث المعتزلة.