يقول المثل الشعبي: «من يده في النار ليس كمن يده في الماء».
انسجاماً مع معقولية المثل، اعتدت على سماع أو قراءة أصدقاء وصديقات من داخل حرب الإبادة في قطاع غزة.
بعد 7 أكتوبر أصبح ذلك تقليداً يومياً ومصدراً له أولوية في بناء قاعدة المعلومات التي استند إليها في الكتابة.
منذ يومين كان موضوع مقالي «اجتماع الفصائل في القاهرة» وكالعادة تجولت على صفحات «من يدهم في النار» لأجد الكثير مما يستحق التفكير والمراجعة.
وكما في كل مرة كان البون شاسعاً بين خطاب الفصائل وكلام المعذبين في القطاع من زاوية العمق والموضوعية والجدوى.
كتب جميل عبد النبي يقول: «نحن الآن في غزة نعيش ذلاً ومهانة لم تعرفها البشرية طوال تاريخها، وبسطار الاحتلال هو الذي يحدد لنا ما نأكل، وما نشرب ورغم كل ما وصلت إليه غزة من الدمار والخراب وانعدام الحياة؛ لا زلتم تحدثوننا عن بساطير الاحتلال» ... يفهم من ذلك أنه بدلاً من الحديث عن مداواة مشاعر الناس المكسورة والأخذ بيدهم للخروج من الخراب والدمار وتلمّس طرق الخروج من المحنة، يتم تثبيت الخطاب على جرائم الاحتلال فقط لا غير. والتثبيت حالة مرضية تفاقم وتزيد عذابات الناس. سؤال عبد النبي: الاحتلال حرق الأخضر واليابس فماذا تفعلون أنتم لإخراجنا من المحرقة ؟
ويسأل تيسير محيسن عن معنى الحياة: غزة لم تخسر بيوتها وعمرانها ومرافقها فقط، غزة خسرت الإحساس الطبيعي بالحياة. خسرت تلك الطمأنينة البسيطة التي تجعل الإنسان يخرج دون أن يودّع أهله وكأنه قد لا يعود، غزة خسرت القدرة على التفكير في يوم الغد، والقدرة على الحبّ، وعلى النوم العميق، والمستقبل كفكرة ممكنة، أقول لمن هم خارج غزة: تخيل أن يعيش أطفالك شهوراً طويلة وهم يعتقدون أن الموت سيخطف أحدهم، تخيل أن يتحول الخوف إلى جزء من جهازك العصبي، تخيل وأنت تجلس مع عائلتك بينما عقلك منشغل دائماً بسؤال واحد: هل سننجو هذه الليلة؟ هذه ليست حياة يمكن للبشر أن يعتادوا عليها.
وتضع نعمة حسن إصبعها على الجرح عندما تقول: منذ بداية حرب الإبادة وأنت لم تسمع أي خطاب رسمي يعظم قيمة الإنسان في غزة ويوضح أهمية وجوده على قيد الحياة .. وحقه في عيش حياة كريمة. الإنسان مجرد هامش، والبعض يبرر موته كنتيجة مقبولة للانتصار – المزعوم - الأحزاب والجهات المسؤولة والقيادات كانت أما تدين (التخاذل) من جهات معينة أو تناشد أطرافاً لا علاقة لها بما يحدث أو تتهم حكومات ودولاً. لا عليكم هل هكذا تدار الحروب؟
تفسر كتابات نعمة اليومية عدم اكتراث فصائل المقاومة بحق المواطنين في غزة في الحياة والطعام والماء والدواء والعلاج والتعليم والعمل والحركة والتعبير والكرامة والأمان إلى آخر منظومة الحقوق الطبيعية، وأن التعريف العلمي للمقاومة هو انتزاع هذه الحقوق من الاحتلال والدفاع عنها وتطويرها وبالقدر الذي يتم فيه انتزاع هذه الحقوق بالقدر الذي نتحرر فيه من الاحتلال الاستعماري.
أما التفريط بهذه الحقوق وتجاهلها والسكوت على تدميرها من المحتلين فهذا يعني انعدام الحساسية لأبسط حقوق المجتمع وكل فرد فيه، ويرقى إلى استخدامهم كدروع بشرية.
بدوره يرى خليل حبيب أن «حماس» تبحث فقط عن ذاتها وعن سلامتها وسلامة قياداتها وسلامة أبناء قياداتها، وأن تبقى في الحكم، وتبحث عن استمرار تحصيلها لملايين الدولارات.
كلام حبيب يحيل المتابع إلى التغيير في موقف حماس من قضية نزع السلاح، فبعد أن وقعت على خطة ترامب التي تنص على نزع السلاح وإقصاء حماس من الحكم، عادت إلى وضع شروط تبدأ من التأكيد على بقاء سلاحها طالما بقي الاحتلال، وتنتهي برهن نزع السلاح بانسحاب جيش الاحتلال والشروع في عملية الإعمار، أو بتأجيل ملف السلاح بانتظار ما ستسفر عنه الحرب الإيرانية الأميركية.
لم تتوقف قيادة حماس عند قدرتها على انتزاع هذه الشروط في الوقت الذي توسعت فيه المنطقة المحتلة لتصل إلى 60% من مساحة القطاع.
وكان نتنياهو قد وعد بتوسيعها إلى 70%. يلاحظ أن حماس تسعى إلى مقايضة مشاركتها في الحكم الجديد من خلال دور أمني واستيعاب جزء من موظفيها في الإدارة الجديدة، وتعتقد حماس أن الوسطاء وبخاصة قطر سيساعدونها، وأنها ستستخدم الفصائل كورقة.
ولا يضير حماس تكرار مقامرتها والتي ستؤدي إلى تدمير البقية الباقية من مباني القطاع، وارتكاب المزيد من القتل والمزيد من تشريد المواطنين، وكل هذا يؤكد تشخيص حبيب للحركة.
وتذهب هلا حسين إلى العمق حين تقول: البلد لم يتدمر فقط لأن قوة عسكرية هائلة صبّت نارها عليه، هذا جزء مركزي من الحقيقة لا يمكن إنكاره. لكن الجزء الآخر من الحقيقة أن البلد دمّر لأن بنية الحكم فيه اختزلت المجتمع في وظيفة عسكرية، وحوّلت الجغرافيا المدنية إلى مسرح دائم للاشتباك. المعضلة أن غزة لم تُدَر ككيان مدني له أولويات حياة يومية، وإنما كمنطقة تماس دائمة. لم يتم بناء ملاجئ عامة واسعة النطاق، ولم تتطور خطط إخلاء شفافة، ولم يُفتح نقاش مجتمعي حول ثمن الخيارات العسكرية. صار الافتراض الضمني أن المجتمع بأكمله جزء من المعركة، وأن تحمّله للثمن أمر بديهي، بل واجب وطني. الشعور العام بأن حياة الناس لم تكن في مركز الحسابات هو بحد ذاته خلل عميق. بلدٌ دُمّر لأن العدو امتلك فائض القوة… ولأن الداخل امتلك فائض الوهم، فأدار ضعفه بشعارات لا بحسابات، ودفع الناس ثمن الفارق بين الحقيقة والخطاب.
إعادة الإعمار لن تكون فقط بإزالة الركام. إذا لم يُطرح السؤال الجذري: ما طبيعة العلاقة بين السلاح والمجتمع؟ بين قرار الحرب والإرادة الشعبية. وأن يعود المجتمع المدني هو المرجعية، لا التفصيل.
صوت العقل يأتي من غزة ويصل إلى كل مهتم يبحث عن مخرج من حرب الإبادة. لكنه لا يصل إلى الفصائل في القاهرة وغزة ورام الله التي ما زالت فاقدة للبوصلة. تجتمع الفصائل لتتحاور بطلب خارجي وتتحدث عن صيغة وسطية بشأن السلاح، وحل توافقي بين المطالب الدولية ومواقف الفصائل، وشرطة فلسطينية ولجنة وطنية متوافق عليها.
كل هذا وكأنه لا توجد مؤسسة معترف بها، ولا توجد شرعية ولا منظمة تحرير.
هل استبدلت بمنظمة الفصائل الفلسطينية ؟
كان يمكن استيعاب نجاح حماس في انتزاع قرار الحرب والهدنة وفي استئناس الفصائل وتوظيفها في مشروعها قبل 7 أكتوبر، أما بعد كارثة الإبادة والتهجير فلا يمكن استيعاب ذلك.