نشر بتاريخ: 2026/10/01 ( آخر تحديث: 2026/10/01 الساعة: 12:06 )
عبد المجيد سويلم

نتنياهو: خطايا استراتيجية ونجاحات مؤقتة

نشر بتاريخ: 2026/10/01 (آخر تحديث: 2026/10/01 الساعة: 12:06)

تعمدنا استخدام الخطايا وليس الأخطاء، حتى لو كانت هذه الأخطاء استراتيجية.

الفرق كما هو معروف في أن الخطايا هي أخطاء، ولكنها من النوع الذي يصعب إصلاحه أو التراجع عنه. أو أن الخطايا تكاد تجبّ ما قبلها، وتخط وتبني طريقاً ونهجاً ومساراً جديداً لا يعود بالإمكان التراجع عنه إلا بكلفة عالية، وغالباً ما تكون هذه الكلفة تهديدية على المصير بأشكاله كلها.

أما الأخطاء الاستراتيجية فضررها أقل، وقابليتها للإصلاح تبقى قائمة، كلفتها قابلة للتحمل، والتعديل والتصويب والتراجع عنها يظل واردا.

أول هذه الخطايا القاتلة كانت في المعادلة الإسرائيلية الداخلية. قرر نتنياهو بنفسه ولنفسه أن يبدأ بالمعادلة الداخلية تحت ضغوط أو بسبب اعتبارات ووقائع متعددة بأن تكون البداية من هنا تحديداً. أقصد أنه أبقى على خيار الحروب قائماً ومستمراً، لكنه خمن أن الذهاب بهذه الحروب إلى درجة الحسم، والى درجة تصفية القضية الفلسطينية من كل جوانبها، أي الحرب الفاصلة التي تركّع الإقليم كله عملية لا يمكن لها أن تنجح، وهي حرب لا بد أن تسبقها قدرة على التحكم بالنظام السياسي الإسرائيلي، والاستيلاء على مفاصل الدولة الإسرائيلية لوضع المجتمع الإسرائيلي أمام الأمر الواقع عندما تتهيأ الظروف، وعندما تتمهد الأرضية المناسبة.

مدفوعاً قبل كل شيء بهواجس التهم والمخاوف ومن تبعاتها عليه بصورة خاصة، وعلى ائتلافه الذي أشرف بصورة شخصية ومباشرة على ترتيب أدق تفاصيله، قرر الذهاب قُدماً في الانقلاب القضائي مراهناً على اعتقاد راسخ لديه، أو لنقل أنه ترسّخ لديه في آخر عدة سنوات، بكونه الملك غير المتوج مؤقتاً فقط، وان بإمكانه حسم هذا الصراع لصالحه.

وانطلق نتنياهو نحو هذا المسار معتمداً على أن جمهوراً واسعاً سيكون مستعداً للسير معه حتى النهاية، وأن هذا الجمهور لا يرتبط بهذا التوجه، وهذا المسار ارتباطاً فكرياً وعاطفياً فقط، بعد سنوات طويلة من غسيل الدماغ الذي تعرض له بمساعدة قاعدة إعلامية ودعائية صلبة، وإنما بات مرتبطاً بخطة نتنياهو على قاعدة مروحة من تشابك المصالح المادية والسياسية، إضافة إلى الفكرية والأيديولوجية.

كما انطلق نتنياهو من أوهام حول دوره، وحول مكانته الدولية والإقليمية والتي تعملقت في ولاية ترامب الأولى، وتوطدت مع موجة «الإبراهيمية». وترسخت في ذهن هذا القطيع، تذكروا معي خطاباته في الكونغرس.

ووصلت به الأمور والأوهام إلى اعتبار نفسه الشخص الوحيد القادر على إدارة الدولة، بل الوحيد الذي يحافظ على تفوقها وازدهارها إلى درجة أن نتنياهو لم يعد بمقدوره أن يتصور هذه الدولة بدون قيادته لها، ولم يعد يرى نفسه إلا من خلال هذا الدور بالذات، وفعلياً، أوصل فئات شعبية واسعة إلى قناعة حقيقية بأن نتنياهو هو الدولة، والدولة هي نتنياهو.

اقصد، استقرّ نتنياهو عند قرار البدء بالانقلاب القضائي لأن القرار على صعوبته كان مدفوعاً بمعطيات سياسية وحزبية إقليمية ودولية، زكّت لديه الشروع بمشروع الانقلاب القضائي على قاعدة معقولة من البدء منها لأن أولويته الأولى في مشروعه الكلي هي مخاوفه على دوره ومكانته ومستقبله السياسي كله.

كيف كان هذا القرار هو الخطيئة الأولى؟

هذا القرار بُني على اعتبارات خاصة وشخصية مغلفة باعتبارات سياسية، أو لنقل إن الاعتبارات الخاصة قد تم دسّها في ثنايا الاعتبارات السياسية.

هنا، ادخل نتنياهو الدولة والمجتمع والنظام السياسي في حالة من الارتباك والاهتزاز للمرة الأولى في تاريخ الدولة. وهنا، تحول الخلاف والاختلاف للمرة الأولى على هوية الدولة أن لم يكن بصورة حاسمة وقاطعة، فأقلُه حول مستقبل هذه الهوية، وحول مستقبل هذا النظام، وحول مستقبل الدولة نفسها في ضوء معرفتنا بخصوصية الترابط المصيري لهذه المكونات في إطار ما يعرفه الجميع حول مسببات وظروف قيام الدولة وكامل مشروعها السياسي، وحساسية العلاقة مع النظام القائم فيها.

ما أقدم عليه نتنياهو هنا ليس فهلوة سياسية، وليس حالة تلاعب معتادة حتى لو كانت من الوزن الثقيل. ما أقدم عليه أسّس لصراع قائم وقادم حتى لو تم «تجميده» مؤقتاً في ظروف حرب لا بد أن تنتهي وان تتوقف، وحينها ستُكشف إسرائيل على حقيقة ما وصلت إليه، وحقيقة ما يمكن أن تصل إليه.

هذا جُرح غائر بدأ بالتسمم، وربما سيبدأ بالتعفن قريباً، وهذا صراع سيمتد لسنوات قادمة بصرف النظر عن نتائج الانتخابات القادمة، والسبب واضح وأظنه بسيطا أيضاً.

إذا نجحت المعارضة، وفشل مشروع إقامة حكومة وحدة، سينفجر الخلاف فوراً على التُهم، وعلى كل الإجراءات التي تمت وتبعت الانقلاب. وعلى كل القرارات التي مست بصحة وقانونية وشرعية كامل سياسات الانقلاب في كافة مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والشرطة وأجهزة الأمن والقضاء، وصلاحيات التعيين، وكل شبهات الفساد التي تمت حتى على مستوى أعلى تسميات هذا التعيين.

وإذا فاز الائتلاف فلا سبيل ولا مناص من استكمال «الانقلاب»، لأن «المعارضة» ستنزل إلى الشارع بطريقة جديدة، وبأساليب جديدة، خصوصاً عندما تتكشف معالم الأزمة الاقتصادية التي ستضرب الاقتصاد الإسرائيلي بعد أن بدأت مسار تدمير البنى الاجتماعية كما يعترف كل المراقبين والمتابعين.

ومن يعتقد أن نتائج الانقلاب ستعيد الدولة العبرية إلى حكومة ومعارضة، إلى احتجاجات هنا وهناك سيكتشف قريباً أن هذا الزمن قد ولّى إلى غير رجعة.

ومن يعتقد أن المستوطنين وبن غفير وسموتريتش سيجلسون على مقاعد المعارضة انتظاراً لأدوارهم لإلقاء خطابات صاخبة في الكنيست فهو واهم تماماً.

لدى اليمين العنصري أكثر من مائة ألف قطعة سلاح مرخصة رسمياً. ولديهم تشكيلات عصابية، ولديهم خلايا نائمة ومُنومة، ولديهم تنظيمات وتشكيلات في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن، وفي كل تلابيب الدولة ونسيجها وشبكاتها.

كانت الدولة العبرية في الكثير من مظاهر بنائها المؤسسي تقوم على مبادئ ديمقراطية حتى ولو كانت عنصرية، وكانت الدولة ترى في الدين ثقافة سياسية وليس عقيدة أيديولوجية.

الانقلاب القضائي ليس سوى بداية لصراع طويل بين دولة قومية دينية بمسحات ليبرالية شكلية، وبين دولة ليبرالية بمسحات قومية قوية ودينية ما زالت أقل قوة حتى الآن، لكن هذا الصراع هو اليوم عنوان مستمر سينكشف بصورة جارفة وعاصفة قادمة لا محالة وقريباً بكل تأكيد.

هذه أولى الخطايا، أما ثاني الخطايا فهي رؤيته لمبدأ القوة والقوة التي يلزمها المزيد من القوة، وأقصى القوة في بيئة لم تعد هذه القوة تحسم أي حروب فاصلة حتى لو حسمت بعض المعارك، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في مقال قادم.