سحب الجنسية من قبر أبي صالح
نشر بتاريخ: 2026/11/06 (آخر تحديث: 2026/11/06 الساعة: 22:24)

أصدرت حكومة الكويت مرسوماً بسحب الجنسية من الراحل الكويتي الفلسطيني الأصل خير الدين أبو الجُبّين. وعلى الرغم من كون الأموات، لا يتأثرون بالسحب أو المنح؛ فإن أبو الجُبين يظل في قبره على بسمته الراضية الأخيرة، قبل موته ككويتي. ففي عالم الأموات، لا تمييز على اساس الجنسية بين ميت وآخر.

كنت في سنة 1982 قد تعرفت في الكويت على خير الدين أبو الجُبين (أو العم أبو صالح مثلما كنا نخاطبه) وتذكرته بالخير عندما انتقل الى رحاب الله قبل ست سنوات. وفي الحقيقة كان ذلك المربي الفلسطيني اليافاوي الفاضل، أول سفير لشعبنا وبلادنا في الكويت بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، عندما كان السفير يسمى "مدير مكتب المنظمة" وذُكر لنا أيامها أم من بين مآثر الرجل تأسيس 21 مدرسة للتلامذة الفلسطينيين عندما تكاثروا في الكويت، وهو أحد المسهمين في جلبهم وبخاصة بعد حرب 1967. فضلاً عن ذلك كان أبو صالح في الكويت نفسها صاحب مآثر أخرى، جعلته يتلقد الموقع الرياضي الأول في الكويت منذ سنة 1957 أي "أمين عام الاتحاد الكويتي لكرة القدم". وعندما اشتغل مديراً في وزارة الكهرباء والماء الكويتية، أدخل للمرة الأولى نظام التأمين الاجتماعي للموظفين الكويتيين في وزارته، وعلى أثر ذلك استُحدث نظام التأمين في سائر الجهاز الحكومي الكويتي.

في حياته، كان "ابو صالح أبو الجبين" أحد رواد نهضة الكويت، تأصيلاً وامتداداً لفضائل البعثة التعليمية الفلسطينية الأولى سنة 1936. ومن دواعي اعتزازنا بتاريخ جاليتنا في الكويت، أنها عاشت وظلت في الطليعة عطاءً وتفانياً في العمل. ومن دواعي الأسف أننا نضطر في كل مرة إلى التذكير بمناقب الفلسطينيين وأفضالهم على شعبها الشقيق، مع التذكير المهم بأن حكام الكويت كانوا هم الذين يطلبون والفلسطينيون يلبون. فبعثة 1936 التعليمية طلبها الحاكم آنذاك الشيخ أحمد الجابر الصُباح. وعندما وصلت، سرعان ما وضعت البعثة، المناهج التعليمية الأولى بكل موادها العلمية، ما جعل الحاكم الكويتي يمنح الجنسية لرئيس لجنة المناهج المرحوم أحمد شهاب الدين، وهو جد الشاب الكويتي الفلسطيني الأصل أحمد شهاب الدين، الذي أثيرت ضجة على وسائل التواصل مؤخراً حول إصابته برصاص كويتي واختفائه نهائياً.

الفلسطينيون ظلوا لعقود، في صدارة الكويت. الحاج الراحل طلعت الغصين الذي تعرفت عليه وجالسته وأهداني كتاب مذكراته، هو رئيس أول بعثة كويتية الى الأمم المتحدة للحصول على الاعتراف بدولة الكويت. كان أمير الكويت النبيل عبد الله السالم الصباح، قد طلبه من إمام اليمن، وكانت التلبية من طلعت ومن الإمام. وأتذكر في هذا السياق، ضابط الشرطة الفلسطيني خليل شحيبر الذي أعاره الإنجليز للكويت لتأسيس شرطتها. وكنت قد صادفت نجله موسى، في منزل الحاج طلعت في تونس، وكان سفيراً للكويت لديها، وفوجئت بأن السفير الكويتي في تونس فلسطيني الأصل ومسيحي من غزة. ومن المفارقات، أن ضابطاً فلسطينياً يُدعى عمر زعيتر، أعير للكويت لكي يؤسس لها سلاح المدفعية في الجيش. لم يكن زعيتر يوم أن بدأ مهمته "يقبض" الموضوع، وكأن فيه احتمالات حرب يخوضها جيش الشقيقة الكويت، لكن الأحداث جعلته يحل في قلب سلاح المدفعية ويشتغل على خط قناة السويس بعد احتلال 1967 ضمن الكتيبة الكويتية المشاركة على الجبهة المصرية.

أما على مستوى الأطباء، فحدِّث ولا حرج. فلم يكن في الكويت في طور بنائها الأول، من يستطيع أن يفتح قلباً للجراحة، سوى د. ناظم شفيق الغبرا، الفلسطيني المولود في حيفا، الذي جعلته الأسرة الحاكمة طبيبها الخاص، وقد تفرعت منه منظومة طبيه فعالة، على رأسها الطبيبان نديم الغبرا وأحمد العطاونة. فقد عاش النطاسي د. ناظم في الكويت منذ سنة 1952 ومات فيها سنة 2009 وللتأكيد على وجوب وأصالة الجنسية الكويتية التي يحملها د. ناظم، أصبح نجله الراحل شفيق، سفيراً للكويت لدى الولايات المتحدة، ولما تقاعد عاد إلى سيرته الأولى باحثاً وكاتباً وأصدر قبل أن يتوفاه الله قبل ست سنوات، كتابه الضافي "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت".

لا يتسع المجال لحصر اسماء الفلسطينيين الذين أسهموا في رفع مستوى الحياة في الكويت. ولعل من الواجب ذكر القائد الفلسطيني الفتحاوي خالد الحسن، الذي حل في الكويت في الخمسينيات، ليسهم في تخطيط وبناء الكويت الحديثة، ثم يصبح أمين سر مجلس بلدية الكويت، ولا ننسى سليم الزعنون (أبو الأديب) الذي كان رئيسًا للجنة التنظيم في الكويت ورئيساً لمحكمة المرور هناك، كما لا ننسى هاني القدومي الذي كان مدير مكتب الأمير عبد السالم، وكذلك أستاذ التعليم بالفصحى عبد الله الدنان، المولود في صفد، الذي أنشأ برامج تدريب الملعمين والمعلمات وأبدع أدباً كويتياً يسجل روائياً وقائع الغوض والإبحار بسفن "البوم" الكويتية الصغيرة. وفي قطاع المصارف، كان رائد هذا القطاع، لسنوات طويلة، كويتي من أصل فلسطيني ومن أسرة مسيحية، هو إبراهيم شكري دبدوب الذي ترأس الموقع التنفيذي الأول لبنك الكويت الوطني ومجموعته. وحتى في الموسيقى، كان الفلسطيني طلعت العلمي، هو مؤسس أول فرقة موسيقية تابعة للجيش الكويتي في مطلع الخمسينيات، وغير هؤلاء كثيرون!

نحن لا نغمط حق أهل الحكم في الكويت، المضي في تنقية وفلترة شعبهم، من خلال سحب جنسيات مواطنين. فقد باتوا يعتبرون الذين اندمجوا في بلدهم من أصول عربية، هم وأبنائهم وأحفادهم الكويتيين، ذوي أثر يعكر "نقاء" الشعب، بينما هم لا يريدون أن تظل في شعبهم "شائبة" مثلما ارتضت على نفسها مملكة البلجيك وجمهورية ايرلندا وفوق ذلك ارتضت أن يقيم الوافدون الصلاة وأن يرفعوا الأذان في بلد مسيحي. فلا حق في الكويت في الجنسية إلا لأحفاد "النُواخذة" أي ربان السفن الشراعية الصغيرة الذين مارسوا مهنة التجارة البحرية باستخدام السفن الشراعية، والمشاركة في "طرشات" السفر إلى الهند، قبل أن يتركوا سفنهم لكي تُبلى وتندثر على الشاطيء، لكي ينتقلوا الى مواضع استخراج البترول وإلى ظلال شركات استخراجه من باطن الأرض.

ولكون أرزاقهم، في تاريحهم غير البعيد، ظلت تتعلق بالتوجه شرقاً، فلا نظن أن هناك التفاتة لسحب الجنسيات، من ذوي الأصول الإيرانية والهندية. فالضروري والمهم، لدى صاحب القرارات، هو سحب جنسية أبي صالح من قبره.