نتنياهو بين تعثر المسار وانحدار الاتجاه
نشر بتاريخ: 2026/10/15 (آخر تحديث: 2026/10/15 الساعة: 20:49)

قلنا في نهاية المقال الأخير، إن الاتجاه الوحيد للنهج والمشروع الذي يقوده نتنياهو هو الانحدار، والانحدار فقط، طالما أنه لم يتمكن حتى الآن من تحقيق نصر حاسم، أو مطلق ونهائي، ولكن الأهم هو أنه مُهدد بالسقوط.

هناك من يرى ـ وقد يكون على حق من زوايا معينة ـ أن هذا النهج الذي يمثله نتنياهو لا يختلف عن النهج العام الذي يمثله المشروع الصهيوني في الجانب الجوهري منه، وما ستسير عليه إسرائيل أياً ستكون طبيعة الحكومة، وأياً تكون المكونات السياسية لهذه الحكومة طالما كانت هذه المكونات من أحزاب وقوى صهيونية.

عالم السياسة أعقد كثيراً من هذه الخارطة، ومن هذه الصورة النمطية «الصحيحة» لزاوية الرؤى والقياس. فمن أين سيبدأ التعثر، وماذا سيتم الانحدار؟

قبل التغير الميداني، والبرنامجي.. ماذا عن مصير نتنياهو؟

فمن جهة، كل ائتلاف حكومي بحاجة ماسة للتماسك في الملمات والمطبات. الائتلاف اليميني الحاكم حتى الآن لا تنقصه هذه الملمات والمطبات. ويمثل نتنياهو كزعيم لهذا الائتلاف حالة قيادية عالية التفوق والتميز، وضمانة لهذا التماسك، وربما لبقاء الائتلاف من عدمه. وهذه الحقيقة ليست بحاجة الى محاججة أو إثبات، والرجل لديه مواصفات استثنائية في قدراته القيادية بصرف النظر عن الوسائل والأساليب، لأن مبدأ الميكافيلية السياسية هو مبدأ معمول به في اللعبة السياسية في إسرائيل، وهو في موضع القبول والتقبل من القاعدة الاجتماعية للائتلاف، والنواة الصلبة فيه هي كتلة كبيرة مستعدة بالذهاب بهذا المبدأ إلى نهايته الكاملة.

ومن جهة أخرى، فإن خطر سقوط الائتلاف هو خطر حقيقي في حالة جرت الانتخابات، ولم يتم تعطيلها من قبل نتنياهو نفسه، خصوصاً إذا دخلها وهو غير واثق من فرصة البقاء كلاعب أول فيها. فرصة التعطيل قائمة بافتعال حرب على واحدة من الجبهات او أكثر، ولكن فرصة منعه من التعطيل تزداد يوماً بعد يوم مع مرور الأيام حتى تاريخ الموعد الانتخابي.

وإذا كان ممكناً منذ هذا اليوم أن نحدد ملامح حقيقية لخارطة ونتائج هذه الانتخابات فهي ستكون في أغلب الظن على الصورة التالية:

أقصى حد يمكن أن يصله الائتلاف الذي يقوده نتنياهو هو ما بين 56 مقعداً و57 مقعداً، أما الحد الأدنى فيمكن أن يتراوح ما بين 48 و49 مقعداً.

كل هذا الفرق «الهائل» سيعتمد على نسبة التصويت العربية، وهي مفارقة تحدث للمرة الأولى في مثل هذه الظروف المصيرية. فإذا ارتفعت نسبة التصويت العربي من 60% الى ما فوق الـ 70%، وكانت مقاعد القائمتين العربيتين أكثر من 15 مقعداً فإن هذا الائتلاف يفقد أي أمل بالبقاء في الحكم، وأي أمل بالتماسك، ومصيره هو التشظي والتفتيت والتبعثر المؤكد. والسبب أن معظم القوائم الصغيرة التي يمكن أن تنضم للائتلاف لن تتجاوز نسبة الحسم ما سيؤدي إلى تلاشي كل آماله بالفوز، وذلك بسبب ارتفاع نسبة الأعداد للمقعد الواحد.

وتشير التوقعات هنا إلى أن ارتفاع نسبة التصويت العربي الى ما فوق الـ 73% سيؤدي في مطلق الأحوال إلى تجاوز العدد 15 بمقعدين أو ثلاثة مقاعد.

باختصار في الأحوال العادية، بدون حرب مفتعلة سيذهب نتنياهو إلى البيت، والائتلاف الى أزمة وجود ومصير. وهنا يبدأ ترنح برنامجه.

ستدخل إسرائيل إذا سارت الأمور وفق هذا التصور في مرحلة سياسية جديدة أنا أسميها مرحلة الاستمالات. ما هي إمكانياتها بالنسبة لواحد مثل نتنياهو؟

في حال تجاوز العرب نسبة الـ 70% لا يوجد أي فرصة أمامه سوى استمالة نفتالي بينيت الذي تتراوح أعداد مقاعد قائمته ما بين الـ 12 و14 مقعدا، وهو العدد الوحيد الذي يؤمن فوز الائتلاف بفرصة تشكيل الحكومة، وبدونه تنتفي هذه الفرصة بالمطلق. حتى الآن، هذه الفرصة ضعيفة بالرغم من التشابه البرنامجي ما بين نتنياهو وبينيت وذلك لأن شخصية بينيت وصورته «الأخلاقية» تتنافى مع صورة نتنياهو التي باتت تصنف كشخصية تمارس الكذب والخداع والمناورات والوعود الضبابية، هذا من جهة، وأما من جهة أخرى فإن الامتيازات التي سيحصل عليها نفتالي بينيت من داخل المعسكر الذي يقوده آيزنكوت ـ إذا نحينا الأخلاق ـ ستكون أكبر وأضمن وأهم.

إضافة إلى مرحلة الاستمالات وهي مُساومات سنرى فيها العجب العجاب، ستدخل دولة الاحتلال وتترافق مع فشل الاستمالات مرحلة تبلور تيار جديد في الحياة السياسية يشق مساراً جديداً من «الكهنتيزم» الفكري والسياسي والثقافي الذي سيشق حتماً عصا الطاعة في وجه الحكومة الجديدة، وسيوجه سهامه داخل الضفة، ولن يتوانى عن توجيه هذه السهام إلى أهلنا في الداخل. وهنا علينا أن نأخذ بالحسبان وجود قاعدة اجتماعية عريضة لهذا التيار في أوساط المستوطنين في الضفة على وجه الخصوص.

نقول «الكهنتيزم» وليس الكاهاناتية لسبب جوهري واحد وهو أن القاعدة الاجتماعية لهذا التيار أوسع بكثير من نواته الصلبة، ومن كتلته السياسية المُبلورة في حزبي بن غفير وسموتريتش، وهي قاعدة موجودة في الليكود، وفي قاعدة كل من نفتالي بينيت وليبرمان، وموجودة حتى ولو بنسب أقل في حزبي شاس وهتوراه.

وهذا كله يعني أن الخارطة الحزبية والسياسية لن تكون تلك الخارطة النمطية، وليس ممكناً أن تعود نمطية.

والأهم أن الاستنتاج الأول لهذه الخارطة هو أن الصدام بين تيار «الكهنتيزم» والدولة قادم لا محالة، ولا تتوفر وسائل رادعة أو مانعة لتفادي هذا الصدام. وكما قلنا في عدة مقالات ومناسبات سابقة، فإن من مصلحة كل الأطراف الصهيونية درء هذا الصدام عبر الموافقة على تصويره كحالة «احتراب أهلية» بين سكان يهود وسكان فلسطينيين، ستحاول الدولة والجيش وأجهزة الأمن فك الاشتباك بينهم.

كما يعود تبلور هذا التيار الى عدة مخاوف قائمة على وقائع مكرسة من الواقع الإسرائيلي ومنها أن هذا التيار مسلح بأكثر من مئة ألف قطعة سلاح مرخصة، ولديه حالة تنظيمية قائمة ومُمأسسة، وهو يمتلك خلايا نائمة ومنومة، وأقرب إلى تنظيم العصابات الإجرامية، ومُتغلغل في الجيش وتلابيب الدولة وأجهزة الدولة الحساسة وله تمويله الهائل المنظم تحت يافطات الاستيطان وأرض الميعاد، ومشروع إسرائيل الكبرى.

وستترافق مع مرحلة الاستمالات ومساوماتها أعمال غير مسبوقة من العنف والإرهاب، وربما الاغتيالات في كل الاتجاهات، وضد كل الأطراف لخلط الأوراق، وإشاعة الفوضى العارمة، والتركيز الشديد على تجارة بيع وترويج الخوف والمخاطر الأمنية، وهي البيئة الخصبة التي يستطيع أن يعيش فيها هذا التيار، ويعتاش عليها.

ولذلك كله مرة أخرى، فإن سقوط الائتلاف الحاكم سيؤدي الى تعثر البرنامج، والى تشتت قواه الرسمية والمؤسسية، وإلى إعادة خلط الأوراق والاصطفافات، وإلى الدخول في مرحلة أعلى، وأعلى من كل ذروة سابقة من الأزمة الداخلية ليس على صعيد المؤسسات الرسمية فقط، وإنما على صعيد الاستقطابات والتجاذبات والمشاحنات، وربما الصدامات الاجتماعية والمجتمعية.

وحتى لو حصلت معجزة سياسية، وبقي نتنياهو على المسرح السياسي كلاعب أول او ثانٍ او ثالث طمعاً بالهروب من التهم والملاحقات القضائية فلن يتمكن من امتلاك الأدوات التنفيذية لإدارة معركة «إسرائيل الكبرى»، ولا مخطط الشرق الأوسط الجديد لأن استراتيجية الحروب الدائمة شارفت على استنفاد رصيدها السياسي على المستوى الدولي والإقليمي، وهي تشارف على استنفاد رصيدها الاجتماعي لأن الأزمة الداخلية الإسرائيلية الطاحنة، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات لم تعد تسمح بهذه الحروب، أو لم تعد تسمح بالأحرى بالحروب التي تغير شيئاً جوهرياً من التعثُر الإسرائيلي.

في المقال القادم، سنعالج التعثُر الاستراتيجي الميداني نفسه على الجبهات المختلفة.