شراء العقول.. هل تواجه غزة دمارًا فكريًا بعد الدمار المادي؟
نشر بتاريخ: 2026/10/15 (آخر تحديث: 2026/10/15 الساعة: 15:04)

في الوقت الذي يحاول فيه المجتمع الغزي النهوض من تحت ركام الحرب، تبرز مخاوف من آثار بعض البرامج والمحاضرات التثقيفية التي تنفذها مؤسسات دولية، تحت عناوين تمكين المرأة وتعزيز حقوقها، ومدى انسجام مضامينها مع خصوصية المجتمع الفلسطيني ومرجعيته الدينية والثقافية.

إن تمكين المرأة وتعزيز حقوقها أمر مشروع وضروري، لكن الإشكالية تبدأ حين يتحول الخطاب من توعيتها بحقوقها إلى تصوير مسؤولياتها الأسرية باعتبارها اضطهادًا، أو دفعها إلى الاعتقاد بأن الاهتمام بزوجها وأبنائها انتقاص من ذاتها. فهنا قد تتحول التوعية من وسيلة لبناء الأسرة إلى عامل يزيد التوتر والتباعد داخلها.

إن المرأة الفلسطينية التي صمدت في وجه الحرب والنزوح وقدمت الكثير من أجل أسرتها، تستحق خطابًا ينصفها ويحفظ كرامتها وحقوقها، لا خطابًا يضعها في مواجهة أسرتها. وفي المقابل، فإن الحفاظ على الأسرة لا يعني تبرير الظلم أو حرمان المرأة من حقوقها، بل يقوم على العدل والتفاهم وتقاسم المسؤوليات.

ومن هنا، تقع على عاتق الجهات الرسمية والتربوية مسؤولية مراجعة البرامج الموجهة للمجتمع، والتحقق من مضامينها وأهدافها ومصادر تمويلها، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، وضمان ألا تُستغل حاجة الناس وظروفهم الصعبة لتمرير أفكار لا تخضع للنقاش المجتمعي المسؤول.

لقد تعرضت غزة لدمار مادي هائل، ولا يجوز أن نغفل عن أهمية حماية نسيجها الاجتماعي من التفكك. فإعادة الإعمار لا تقتصر على بناء البيوت، بل تشمل أيضًا حماية الأسرة وتعزيز الوعي وصيانة الهوية الوطنية والثقافية.

إن التمكين الحقيقي للمرأة لا يكون بإضعاف الأسرة، كما أن حماية الأسرة لا تكون بإلغاء حقوق المرأة؛ بل بتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات. فهل ننجح في إعادة بناء الإنسان والمجتمع، أم ننشغل بإعمار الحجر ونغفل عن تصدعات الوعي؟