هل يشهد العالم شتاء أكثر سخونة؟
نشر بتاريخ: 2026/09/30 (آخر تحديث: 2026/10/01 الساعة: 02:15)

هناك بؤر كثيرة في العالم تشهد حروباً وصراعات وتوترات لكنّ هناك ثلاثاً منها الأكثر تأثيراً على الاستقرار والأمن الدوليَّين، وهي الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران بصرف النظر عن مستوى اشتعالها أو هدوئها، والحرب بين روسيا وأوكرانيا، وأخيراً الصراع الفلسطيني - العربي مع إسرائيل المستمر منذ عقود طويلة، وهذه لا تزال نارها مشتعلة تزيد وتخفت، ولا يزال جمرها متوهجاً.

ففي الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تبدو الأمور الآن في انعطافة جديدة بعد العودة للتركيز على الملف النووي. فقبل أيام بل شهور كان الموضوع الأساسي محط الاهتمام الأميركي والدولي هو فتح مضيق هرمز، بعد أن تحوّل إلى ورقة مهمة في يد إيران استخدمتها للمرة الأولى بعد اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدها. وأصبح جل الحديث الأميركي بل ومعيار الانتصار في الحرب هو فتح مضيق هرمز وسيطرة الولايات المتحدة عليه، وكانت غالبية تصريحات الرئيس الأميركي حتى ما قبل الأمس تحاول إظهار النجاح في فتح المضيق. الآن تحوّل الحديث الأميركي عن إنجاز المهمة والانتقال للموضع الذي كان المبرر الرئيس للحرب أو على الأقل ضمن الأهداف التي وضعها كل من أميركا وإسرائيل وهو الملف النووي.

الادعاءات الأميركية الحالية، التي ساقها كل من الرئيس دونالد ترامب ووزير الخزانة ووزير الخارجية، تقول: إن القوات الأميركية باتت تسيطر على المضيق وإن النفط يتدفق من خلاله للعالم بمعدلات تقترب من المعدلات التي سبقت اندلاع الحرب، وإن إيران فقدت هذه الورقة ولم تعد قادرة على استخدمها كما كان في السابق، وإنها تعيش وضعاً اقتصادياً منهاراً ولا بد أن تستجيب للشروط الأميركية الجديدة. كما أن الوساطات الجارية، خاصة الوساطة القطرية والباكستانية، تركز على التوصل لاتفاق شامل ينهي الحرب، خاصة بعد أن رفض ترامب المقترح الإيراني الذي يقول: إن إيران مستعدة لفتح المضيق خلال أسبوع من موافقة أميركا على مقترحها الذي يركز على رفع الحصار وتحرير الأموال المجمدة بصورة تدريجية. وحسب تصريح لمسؤول أميركي نقل في وسائل الإعلام، أمس، يبدو أن هناك حواراً إيجابياً مع إيران من خلال الوسطاء، ولكن يضيف لذلك أنه «لا اتفاق دون معالجة القضية النووية». وفي المقابل تقول إيران: إنها متمسكة بدورها في إدارة مضيق هرمز، وإنه إذا لم تستطع إيران تصدير نفطها فلن تتمكن الدول الأخرى في الخليج من فعل ذلك.

وفي الواقع، لا أحد يمكنه التنبؤ بقرارات ترامب الذي تدهورت شعبيته وشعبية حزبه الجمهوري، وهناك احتمال كبير أن يخسر الانتخابات النصفية لمجلسَي الشيوخ والنواب في مطلع تشرين الثاني القادم. فقد يقوم بشن هجوم جديد على إيران قبل الانتخابات، وقد يؤجل ذلك إلى ما بعدها طالما هو لم يحقق النصر الذي يريد. مع أن التركيز على الملف النووي أسهل من ملف مضيق هرمز، ويمكن الاتفاق مع إيران حوله إذا تم التوافق على حل لمسألة حرية الملاحة في المضيق ومسألة رفع الحصار وتحرير جزء من الأموال المجمدة. وهكذا يبدو ملف الحرب مع إيران مفتوحاً لكل الاحتمالات، خاصة لقرار ترامب.

الحرب بين روسيا وأوكرانيا مرشحة للتصعيد خلال الشتاء القادم، وهي عملياً دخلت في حالة تصعيد بعد أن توسعت أهداف عمليات القصف لدى كلا الجانبين لتشمل البنية التحتية المدنية، خاصة مصافي البترول ومحطات الطاقة ومحطات السكك الحديدية ومنشآت مدنية أخرى. وأضحى حجم الدمار أكبر والأضرار الاقتصادية أعظم. وقد أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التعبئة العامة لتجنيد قوات إضافية للجيش الروسي استعداداً لتوسيع نطاق الحرب في الشتاء القادم. والتصعيد في أوكرانيا سيقود ربما لتصعيد أكبر بين روسيا وأوروبا. وهناك تحذيرات صدرت عن قادة أوروبيين من هجوم روسي محتمل على بعض الدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا. بل إن بعض الدول بدأت التحضير للحرب مثل ألمانيا التي بدأت تجهيز مستشفياتها لاستيعاب 10,000 مصاب يومياً، وكذلك لتوانيا التي تجهز نفسها لعملية إجلاء واسعة في حال اندلاع الحرب مع روسيا. وأعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توجيهات بإعداد خطة لحماية البنية التحتية والدفاعية من التهديدات الروسية في حين تستعد بريطانيا لحرب طويلة الأمد.

حلف الناتو يقول: إنه مستعد للحرب وإن هناك خططاً مجهزة لكل السيناريوهات لحماية الجناح الشرقي لأوروبا خلال الفترة المقبلة. لكنّ هناك شكوكاً جدية في قدرة الناتو على مواجهة حرب قادمة مع روسيا في ظل تضعضع الاقتصاد في الدول الأوروبية؛ بسبب الحرب الأوكرانية وارتفاع أسعار الطاقة والوقود وازدياد معدلات التضخم والبطالة وتقليص البرامج الاجتماعية. وأيضاً بسبب الموقف الأميركي غير الواضح من مسألة استمرار دعم الناتو، خصوصاً في ظل وجود قرار أميركي بتقليص عدد قوات الجيش الأميركي في أوروبا إلى الثلث.

روسيا من جانبها تهدد بحرب قصيرة مدمرة مع أوروبا لو قامت بالتدخل العسكري المباشر في الحرب الأوكرانية وأرسلت قواتها إلى أوكرانيا. والرئيس بوتين يقول: إن القادة الأوروبيين بتصريحاتهم العلنية بالاستعداد للحرب مع روسيا يحاولون إنقاذ شعبيتهم المتدهورة بسبب أخطائهم في السياسات الاقتصادية الاجتماعية.

ونحن نمر بخريف ساخن للغاية مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية يوم 27 من تشرين الأول القادم، حيث ازداد إرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية وأدواتها الإرهابية من عصابات المستوطنين المدعومة من قوات جيش الاحتلال وحرس الحدود. وفي غزة يتواصل الحصار الظالم ومنع دخول المساعدات الإنسانية بكمية مناسبة وكافية، وفي ظل القصف اليومي وقتل المواطنين ومنع تطبيق خطة الرئيس ترامب بالانتقال للمرحلة الثانية منها. ويبدو أن الشهر القادم سيكون أكثر خطورة ودموية على الشعب الفلسطيني؛ في ظل عدم قدرة المنظومة الدولية على لجم العدوان الإسرائيلي الدموي. والأمل الوحيد للتهدئة وليس لتسوية الصراع هو حصول تغيير سياسي، وقيام حكومة جديدة بعد الانتخابات تحد من التصعيد وتخفف من وطأة الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني استجابة للضغط الدولي.