في غزة، لم يعد الألم حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية. لم يعد فقدان البيت أو أحد أفراد الأسرة خبراً يوقف الحياة، لأن الحياة نفسها لم تعد تملك رفاهية التوقف. الناس يستيقظون على واقع يشبه الأمس، وينامون على خوف من الغد، ويعيشون يوماً بيوم، ليس لأنهم اختاروا ذلك، بل لأن المستقبل أصبح فكرة مؤجلة لا يملكون أدواتها.
هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات غزة قسوة: كل شيء تغير، إلا بعض طريقة التفكير في إدارة هذا الواقع.
بيوت أصبحت خياماً، ومدارس تحولت إلى أماكن إيواء، ومستشفيات تعمل في ظروف استثنائية، وأحياء كاملة تغيرت ملامحها، بينما لا يزال هناك من يتحدث عن القوانين والإجراءات وكأن المجتمع يعيش في ظروف طبيعية مستقرة. وكأن الحرب غيرت الجغرافيا والمباني، لكنها لم تغير شروط الحياة نفسها.
المشكلة ليست في وجود القانون، بل في وهم إمكانية تطبيق قواعد الحياة الطبيعية على مجتمع يعيش حالة استثنائية بكل تفاصيلها. القانون، في جوهره، يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تطبيقه، ومجتمع قادر على الامتثال له، وبيئة توفر الحد الأدنى من الاستقرار. أما حين تنهار هذه الشروط، يصبح الإصرار على الشكل دون معالجة الواقع نوعاً من الانفصال عن الناس.
والأشد قسوة أن بعض من يتحدثون عن الانضباط والقواعد يريدون ممارسة سلطتهم على الآخرين، بينما لا تنعكس هذه القواعد بالضرورة على سلوكهم هم. وهنا يتحول القانون من أداة لتنظيم الفوضى إلى أداة لإدارتها من الأعلى، وربما إلى وسيلة لإنتاج تناقض جديد داخل مجتمع أنهكته الحرب أصلاً.
غزة اليوم لا تعيش فقط أزمة دمار؛ إنها تعيش أزمة معنى للحياة نفسها.
كيف يمكن لشخص أن يفكر في الغد وهو لا يعرف أين سينام الليلة؟ كيف يمكن الحديث عن التخطيط والاستقرار بينما كل شيء قابل للتغير خلال ساعات؟ وكيف يمكن مطالبة الناس بالتزام نمط حياة طبيعي، بينما أبسط مقومات الحياة الطبيعية لم تعد متاحة؟
ومع ذلك، تستمر الحياة بطريقة تكاد تبدو عبثية. عرس في شارع، وفي الشارع نفسه عزاء. شخص يضحك، وآخر يدفن قريباً له. عائلة تحاول الاحتفال بنجاة أحد أفرادها، بينما عائلة أخرى تبحث عن مفقود. وقد تجد شخصاً يمارس حياته وكأن شيئاً لم يحدث، رغم أنه فقد قبل أيام منزله أو أحد أفراد أسرته.
هذا ليس تناقضاً في الناس بقدر ما هو آلية للبقاء. الإنسان لا يستطيع أن يعيش في حالة حداد دائم، ولا يستطيع أن يحمل خساراته كلها في كل لحظة. لذلك يتعلم أن يضع ألمه جانباً لبعض الوقت، وأن يضحك رغم الحزن، وأن يحتفل رغم الخوف، وأن يواصل حياته رغم أن حياته لم تعد تشبه ما كانت عليه.
وهنا ربما تكمن أخطر نتائج الحرب: أن يتحول الاستثناء إلى عادة، وأن يصبح غير الطبيعي طبيعياً، وأن يتعلم الإنسان التعايش مع ما كان يفترض أن يكون غير قابل للتعايش.
لقد اعتدنا الألم إلى درجة أن غيابه قد يبدو غريباً. واعتدنا الخوف إلى درجة أن الاستعداد للأسوأ أصبح جزءاً من التفكير اليومي. لم يعد السؤال: ماذا سنفعل بعد سنوات؟ بل ماذا سيحدث غداً؟ وهل سيكون لدينا مكان نعود إليه؟ وهل سيبقى من نحبهم إلى جانبنا؟
لكن الأخطر من كل ذلك هو أن يعتاد المجتمع على إدارة حياته وفق منطق الطوارئ، ثم يأتي من يريد أن يحاسبه بعقلية الحياة الطبيعية.
غزة لا تحتاج فقط إلى قواعد جديدة؛ تحتاج أولاً إلى الاعتراف بأن الواقع نفسه تغير. ومن يريد أن يحكم هذا الواقع أو ينظمه، عليه أن يبدأ من حياة الناس كما هي، لا كما يتمنى أن تكون. لا يمكن بناء الاستقرار فوق الإنكار، ولا يمكن فرض النظام بمجرد إصدار التعليمات، ولا يمكن استعادة معنى الدولة أو القانون بينما يعيش الناس في حالة يومية من عدم اليقين.
في غزة، لم تعد الفوضى مجرد غياب للنظام؛ أصبحت نتيجة مباشرة لغياب مقومات الحياة الطبيعية. ولذلك فإن محاولة ضبطها بالأوامر وحدها تشبه محاولة إصلاح بيت لم يعد قائماً من خلال ترتيب أثاثه.
لقد تغير كل شيء تقريباً. تغيرت البيوت، والشوارع، والمؤسسات، والعلاقات، والأولويات، وحتى مفهوم الغد نفسه.
وحده الإنسان ما زال يحاول أن يقنع نفسه بأن الحياة يمكن أن تستمر.
وربما هذه هي المفارقة الأكبر في غزة: أن الاستمرار في الحياة أصبح في حد ذاته شكلاً من أشكال المقاومة للواقع، حتى عندما لا يبقى لدى الإنسان ما يكفي من الأمل.