• نُشر في صحيفة "هآرتس"، قبل أسبوع، تحقيق موسّع بشأن تشغيل ميليشيات فلسطينية في قطاع غزة لخدمة إسرائيل. وقال جنود أدلوا بشهاداتهم للصحيفة إنه طُلب منهم مرافقة أفرادٍ من هذه الميليشيات في عملياتٍ شملت جرائم حرب. وأمس، كُشف جانب آخر من نشاط هذه الميليشيات؛ فوفقاً لمصادر فلسطينية، ساعد أفرادٌ من الميليشيات في اختطاف معين العرابيد، رئيس جهاز الأمن الداخلي التابع لـ"حماس" في غزة، ونُقل إلى إسرائيل.
• وأفاد صحافيون في القطاع بأن العرابيد أُصيب خلال عملية الاختطاف، وأن ثلاثة أشخاص قُتلوا وأصيب ثمانية آخرون في تبادُل إطلاق النار الذي اندلع في أثناء الحادثة في ساعات الصباح. ويبدو كأن القوة التي نفّذت العملية واجهت ضائقة في الميدان، فشنّ الجيش الإسرائيلي غارات جوية واسعة نسبياً من أجل إخراجها بسلام. وفي ساعات المساء، أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز "الشاباك" ومكتب رئيس الحكومة، في بياناتٍ صيغتها متشابهة، أن العملية كانت إسرائيلية. وجاء في بيان "الشاباك" أن "قواتٍ خاصة" تابعة للجهاز نفّذت العملية، وداهمت المبنى واعتقلت العرابيد.
• وقالت مصادر عسكرية [إسرائيلية] لـ"هآرتس" إنه لم يكن هناك جنود من الجيش الإسرائيلي في موقع الحادثة؛ إذ قلصت إسرائيل استخدام القوات الخاصة في عمليات سرّية داخل القطاع إلى حدٍّ كبير، منذ كشف القوة العسكرية الإسرائيلية في عملية خان يونس في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، والتي قُتل فيها المقدم محمود خير الدين، بعد أن أوقفت قوة تابعة لـ"حماس" عناصر من وحدة إسرائيلية.
• إلّا إن الفوضى التي خلّفتها الحرب الحالية في القطاع، وحقيقة أن الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف أراضيه، تتيح مجالاً أكبر للمناورة ظاهرياً، لكن يبدو كأن الاكتظاظ الشديد في المناطق التي تسيطر عليها "حماس"، وشكوك عناصرها، يصعبّان إدخال مقاتلين إسرائيليين متخفّين إلى هناك.
• ومن المرجح أن يكون هذا هو السياق الذي دفع إلى الاستعانة بالميليشيات؛ ففي مدينة غزة، تنشط اثنتان من الميليشيات، على الأقل، ترتبطان بإسرائيل. وانتقل كثيرون من أفراد هذه المجموعات وأفراد عائلاتهم إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، شرقي "الخط الأصفر"، خوفاً من أن تُلحق "حماس" بهم الأذى.
• تدير "حماس" عدداً من الأجهزة المعنية بالأمن الداخلي في القطاع. أحدها يركز على جمع المعلومات عن الجيش الإسرائيلي و"الشاباك" من مصادر مفتوحة، ومن مصادر استخباراتية؛ أمّا الجهاز الآخر، الذي كان العرابيد يترأسه، فيتخصص في تعقّب العملاء والجواسيس الذين تشغلّهم إسرائيل.
• ومن المنظور الإسرائيلي، ربما يكون لاعتقال شخص كهذا قيمة استخباراتية كبيرة؛ فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكشف التحقيق معه ما تعرفه "حماس" عن شبكة العملاء، التي من المؤكد أن إسرائيل تشغّلها في القطاع حالياً، باعتبار ذلك أحد الدروس المستخلَصة من "7 أكتوبر"؛ إذ تبيّن بعد "المجزرة" أن عدد المصادر البشرية الفعالة التي كان "الشاباك" يشغّلها في القطاع كان ضئيلاً جداً، ومن المرجح أن تتخذ "حماس" الآن إجراءاتٍ لمحاولة الحدّ من الأضرار الاستخباراتية التي يمكن أن تلحق بها نتيجة الاختطاف.
• تُضاف عملية الاختطاف هذه إلى سلسلة طويلة من الغارات الجوية وعمليات الاغتيال التي استهدفت في الأشهر الأخيرة عناصر من "حماس" في المستويات الوسطى؛ كذلك تستثمر إسرائيل جهداً خاصاً في تصفية المسلحين الذين شاركوا في "المجزرة"؛ قُتل عز الدين الحداد في أيار/مايو، في غارة للجيش الإسرائيلي و"الشاباك"، وكان آخر المحاربين القدامى من مجموعة القيادات التي خططت للهجوم و"المجزرة" في بلدات غلاف غزة، بعد مقتل جميع الذين سبقوه في هذا المنصب بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
• والآن، تتولى القيادة عناصر غير معروفة نسبياً، لكن هذا لا يعني أنه قُضيَ على "حماس"؛ فعلى الرغم من ضعفها العسكري الواضح، فإنها تواصل السيطرة على القطاع بقبضة قوية؛ أمّا خطة ترامب بصيغتها الجديدة، وخطة "مجلس السلام الدولي" ذات النقاط الـ15، فلم تُطبَّقا بعد، ولم تتخلّ "حماس" عن قبضتها على الحكم، على الرغم من تعهداتها المتكررة بفعل ذلك.
• وعملياً، بعد انتعاش طفيف في الاتصالات والتصريحات في بداية الشهر الماضي، يبدو كأن هناك جموداً في الوقت الراهن. وإذا لم يُبدِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب اهتماماً إضافياً بما يحدث، فمن المشكوك فيه أن تتحرك الأمور على المسار السياسي في القطاع قبل الانتخابات الإسرائيلية في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر.