تعثر المفاوضات الأمنية بين إسرائيل وسوريا بسبب الخلاف على المنطقة العازلة
نشر بتاريخ: 2026/09/02 (آخر تحديث: 2026/09/03 الساعة: 00:37)

كشف مسؤول أمني إسرائيلي لصحيفة «جيروزاليم بوست» عن تعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل والحكومة السورية، في ظل خلافات مستمرة بشأن المنطقة العازلة في جنوب سوريا، والوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.

ويأتي ذلك في أعقاب اجتماع سوري إسرائيلي عُقد في الأردن أواخر آب/أغسطس الماضي، بهدف إنشاء آلية للحوار المباشر بين الجانبين، بما يسهم في معالجة التطورات الميدانية ومنع أي تصعيد محتمل. وأشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن المحادثات تناولت أيضًا ترتيبات إقليمية محتملة بين إسرائيل وسوريا وتركيا.

وقال المسؤول الأمني الإسرائيلي إن الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق أمني لم تحقق تقدمًا، مشيرًا إلى أن رفع وتخفيف بعض العقوبات الدولية المفروضة على سوريا كان أحد أبرز العوامل التي عرقلت مسار المحادثات، وأدى، بحسب قوله، إلى تراجع دافعية الجانب السوري للمضي قدمًا نحو إبرام الاتفاق.

المنطقة العازلة.. عقبة رئيسية أمام الاتفاق

وأوضح المسؤول أن الخلاف بشأن المنطقة العازلة في جنوب سوريا يمثل عقبة رئيسية أخرى أمام المفاوضات، مؤكدًا أن إسرائيل رفضت أي صيغة تتضمن الانسحاب منها، باعتبارها موقعًا استراتيجيًا و«أصلًا أمنيًا حيويًا» لا يمكن التخلي عنه.

ورغم تعثر المفاوضات، أكد المسؤول أن قنوات الاتصال بين إسرائيل والحكومة السورية لا تزال قائمة ونشطة عبر عدة مستويات، بهدف بحث الترتيبات الأمنية في جنوب سوريا.

وأضاف: «هناك قنوات يجري من خلالها الحوار، ونحن نحاول من خلالها الحفاظ على مصالح إسرائيل وأمنها».

وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد التقى وفدًا إسرائيليًا رفيع المستوى في الأردن، بوساطة أميركية واستضافة أردنية، في اجتماع جاء بعد أيام من ضربة إسرائيلية استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب.

وخلال الاجتماع، دعا الشيباني إسرائيل إلى اغتنام «فرصة تاريخية»، مؤكدًا أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام المسار الدبلوماسي.

وأعلنت وكالة الأنباء السورية «سانا» انعقاد الاجتماع، من دون الكشف عن أعضاء الوفد الإسرائيلي. ونقلت الوكالة عن مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية السورية أن الوفد السوري، برئاسة الشيباني وبمشاركة رئيسي جهازي الاستخبارات العامة والعسكرية، بحث مع الوفد الإسرائيلي «آليات عملية» لوقف الهجمات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، وإحياء مسار التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكل أساسًا لاتفاق أشمل في المستقبل.

وقالت «سانا» إن دمشق جددت خلال الاجتماع موقفها القائل إن هضبة الجولان المحتلة أرض سورية، فيما تناولت المحادثات أيضًا الجهود الرامية إلى الحد من التوتر بين إسرائيل وتركيا، ومنع انعكاس الخلافات بين البلدين على الأراضي السورية.

مقترح لإنشاء «غرفة عمليات خاصة» في الأردن

وقال مصدر دبلوماسي ومصدر آخر في الحكومة السورية لوكالة «فرانس برس»، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، إن الشيباني ورئيس جهاز الموساد رومان جوفمان ناقشا عددًا من الملفات، من بينها إنشاء «غرفة عمليات خاصة» في الأردن، بإشراف أميركي، بهدف منع اندلاع أي مواجهة بين سوريا وإسرائيل أو بين إسرائيل وتركيا داخل الأراضي السورية.

وقال المصدر السوري لـ«سانا» إن «المناقشات تناولت أيضًا أهمية دعم استقرار سوريا والحفاظ على أمن المنطقة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين تركيا وإسرائيل، وضمان عدم انعكاس التوتر القائم بين البلدين على الأراضي السورية».

وأكد الجانب السوري خلال المحادثات أن سوريا دولة ذات سيادة، ولها كامل الحق في إعادة بناء جيشها الوطني وتطويره، وتحديد تحالفاتها وشراكاتها بما يتوافق مع مصالحها الوطنية.

وشددت دمشق على أنها لن تقبل بأي ترتيبات أو آليات من شأنها تقييد هذه الحقوق السيادية.

ووفق المصدر السوري، «جددت سوريا تأكيد موقفها بأن الجولان المحتل أرض سورية، مع الإشارة إلى أن مناقشة وضعه النهائي والمسار المؤدي إلى ذلك لا تزال سابقة لأوانها في المرحلة الراهنة».

وبحسب الجانب السوري، تتمثل الأولوية المباشرة في انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتنفيذه بالكامل.

وأفاد مصدران لوكالة «فرانس برس» بأن الشيباني وجوفمان بحثا أيضًا التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى إقامة منطقة منزوعة السلاح داخل الأراضي السورية.

مئات الغارات الإسرائيلية منذ سقوط الأسد

ومنذ الإطاحة بحكم بشار الأسد في نهاية عام 2024، شنت إسرائيل مئات الغارات الجوية على سوريا، تركزت على أهداف عسكرية، قالت إسرائيل إن استهدافها يهدف إلى منع السلطات السورية الجديدة من الاستحواذ على ترسانة الجيش السوري السابق.

كما توغلت القوات الإسرائيلية خارج المنطقة العازلة المحاذية لهضبة الجولان، التي تحتل إسرائيل معظمها منذ عام 1967، وأعلنت عزمها إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا.

ويكرر مسؤولون إسرائيليون التأكيد أن قوات بلادهم لا تعتزم الانسحاب من المنطقة، التي تعتبرها إسرائيل ذات أهمية استراتيجية وأمنية.

وجاءت المحادثات السورية الإسرائيلية كذلك غداة استهداف إسرائيل، وفق روايتها، أشخاصًا وصفتهم بأنهم مسلحون في سوريا بالقرب من هضبة الجولان.

وأعلنت دمشق إصابة شخص في الضربة، ووصفتها بأنها «انتهاك صارخ» لسيادتها، محملة «الاحتلال الإسرائيلي» المسؤولية الكاملة عن «تداعيات هذه الاعتداءات المتكررة».

الشيباني: المفاوضات مجمدة وقد تستأنف قريبًا

وفي مقابلة مع وكالة «رويترز» في دمشق، السبت الماضي، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن المفاوضات بشأن اتفاق أمني مع إسرائيل تجمدت منذ اندلاع الحرب مع إيران، لكنه توقع استئنافها قريبًا، من دون تحديد موعد لذلك.

وأوضح الشيباني أن مسودة الاتفاق كانت تنص على إقامة عدة مناطق أمنية داخل الأراضي السورية بالقرب من الحدود مع إسرائيل، من بينها منطقة عازلة لا توجد فيها سوى قوات الأمم المتحدة، إلى جانب منطقة أخرى تنتشر فيها القوات السورية بدرجات متفاوتة.

غير أن الوزير السوري اتهم إسرائيل بالسعي إلى التهرب من تنفيذ ما تم التوصل إليه خلال المفاوضات، قائلًا: «لم نرَ أن لديهم إرادة حقيقية للتوصل إلى اتفاق».

وأكد الشيباني أن أولوية دمشق في المرحلة الراهنة تتمثل في «وقف العدوان الإسرائيلي حتى قبل التوصل إلى اتفاق أمني»، مضيفًا: «بعد ذلك ربما يمكننا فتح ملفي السلام والجولان».

وتعكس هذه المواقف استمرار التباين بين دمشق وتل أبيب بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية في جنوب سوريا، وحدود الانتشار العسكري الإسرائيلي، ومستقبل المنطقة العازلة، في وقت لا تزال فيه قنوات الحوار قائمة بوساطات إقليمية ودولية، لكن من دون التوصل حتى الآن إلى صيغة نهائية تحظى بموافقة الطرفين.