"ألتالينا"... الماضي والحاضر
نشر بتاريخ: 2026/08/26 (آخر تحديث: 2026/08/26 الساعة: 18:42)

• لم تغرق سفينة "ألتالينا" جرّاء تبادُلٍ لإطلاق النار قبالة شاطئ تل أبيب، فبعد أن قُصفت، واشتعلت فيها النيران، وتُركت، بقيت في البحر، على بُعد نحو 100 متر عن الشاطئ، قبالة الطرف الجنوبي لموقع فندق دان الحالي؛ فعشية المعركة، وضعها قادتها على شعاب صخرية، فوق حطام سفينة للمهاجرين غير الشرعيين كانت غارقة في المكان، وبقيت هناك.

• كان أطفال تل أبيب يُكثرون من السباحة إلى السفينة ومنها، وكان الهدف واضحاً، إن التحدي في متناول اليد. تقول القصة التي أعرفها إن رئيس بلدية تل أبيب، إسرائيل روكاح، جزع من رؤية هذه الرياضة البحرية الجديدة، فتوجه إلى رئيس الحكومة دافيد بن غوريون وطالبه بأن يفعل شيئاً، قائلاً: "إن سطح السفينة مليء بالحديد والزجاج، والأطفال حفاة، وسيصابون بجروح."

• أفترض أن بن غوريون كان سعيداً، فأمر البحرية بجرّ السفينة إلى عرض البحر وإغراقها، وهكذا تحولت "ألتالينا" من سفينة حقيقية إلى حجة سياسية، وكلما هاجمت حركة "حيروت" (الحزب الذي أنشأته "الإيتسل") الحكومة في الكنيست، كان رئيس الوزراء بن غوريون يصرخ: "المدفع المقدس"، فتعم الفوضى قاعة البرلمان، وتتلاشى وسط الضجيج الانتقادات المعللة التي كانت المعارضة توجّهها.

• عندما انتُخب إسحاق رابين رئيساً للوزراء، انقلبت الحجة؛ ففي الحملة التي قادها اليمين قبل اغتياله، صوّر رابين على أنه المسؤول الرئيسي عن القذيفة التي أشعلت النار في سفينة "ألتالينا". كانت الحقائق مختلفة، لكن بالنسبة إلى متظاهري اليمين، وكذلك بالنسبة إلى الرجل الذي أرسلهم، لم تكن الحقائق مهمة. لقد قُتل يهود؛ ورابين هو الذي قتلهم.

• قُتل ثلاثة من مقاتلي الجيش الإسرائيلي و16 من مقاتلي "الإيتسل" في تبادُلٍ لإطلاق النار بين الجيش والمنظمة على شاطئ تل أبيب، وفي كفار فيتكين، وفي بيت داغان. أُزهقت أرواح غالية، ودُمّر سلاح حيوي، وخاضت الدولة، التي لم يكن مضى على قيامها سوى خمسة أسابيع، وفي هدنة قصيرة خلال أشرس حرب في تاريخها، تجربة صادمة.

• كان أحد الطرفين مقتنعاً بأن الأمر يتعلق بتمرّد، وبمحاولة مسلحة من أقلية سياسية للاستيلاء على السلطة بالقوة؛ بينما كان الطرف الآخر مقتنعاً بأن الحكومة تستخدم الجيش للقضاء على خصم سياسي، فاتّهم كل طرف الطرف الآخر بإفشال المفاوضات.

• أقترح على القرّاء قراءة كتابين ممتازين، يصف كلٌّ منهما الرواية الأقرب إلى موقف مؤلفه: "ألتالينا" لشلومو نكديمون، الذي تعمّق في رواية "الإيتسل؛ وألتالينا: بحث سياسي وعسكري" لأوري برنر، الذي كان نائب قائد "البلماح". لقد فقدت التفاصيل التي كانت تثير الإسرائيليين في الماضي أهميتها؛ أمّا الدروس، فهي مهمة، لقد خرجنا من قضية "ألتالينا" بدرسين متناقضين.

• الأول: هو أن السلطة الوطنية هي الآمر الأول في حياة الدولة؛ قيادة واحدة، وسلاح واحد، ولا وجود لميليشيات، ولا للعصيان. فرض بن غوريون إرادته في هذه المسألة، ليس فقط على "الإيتسل" و"ليحي"، بل أيضاً على "البلماح"؛ أمّا الدرس المعاكس، فكان بكلمات قائد "الإيتسل" مناحِم بيغن: "حرب الإخوة ممنوعة إطلاقاً". الحكومة اليهودية لا تستخدم السلاح ضد اليهود (في معركة "ألتالينا"، التي شهدت إطلاق نار كثيفاً من الطرفين، لم يكن بيغن يسيطر سيطرة كاملة على مرؤوسيه، وجرت حالات فقدان للسيطرة أيضاً داخل الجيش الإسرائيلي).

• إن قضية "ألتالينا"، بكل الألم والصدمة اللذين رافقاها، خلقت دولة: جيش واحد، وسلطة واحدة، وحكم واحد. كانت هذه هي النتيجة الإيجابية لِما حدث، بعيداً عن الخلاف السياسي. وأفكر في هذا الحدث كثيراً خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، سنوات الفوضى، برعاية الحكومة. ويبدو لي كأنه حتى أبناء الجيلين الثاني والثالث من أبناء رجال "الإيتسل" يفهمون ثمن تفكّك السلطة الوطنية، في مواجهة ما يحدث الآن في القطاع الحريدي، وفي مواجهة ما يحدث أيضاً في الضفة الغربية؛ فالشرطة يديرها مجرم؛ والجيش مشلول في الضفة الغربية إزاء كل ما يتعلق بالمجرمين اليهود. وبين اليهود الذين تخلّوا عن سلطة الدولة والحكومة التي تحتضنهم، يفقد الجيش الإسرائيلي الغاية من وجوده.

• كان لوزير العدل ياريف ليفين حلمان منذ شبابه: أن يرى "هبوعيل" تل أبيب، فريق كرة القدم، يفوز ببطولة الدوري، وأن ينتشل سفينة "ألتالينا" من أعماق البحر؛ لماذا انتشالها؟ لكي يعرض أمام الأمة بأسرها ذنب بن غوريون ورابين وحكومة إسرائيل: أن توضع السفينة على الشاطئ كمتحف لتخليد جرائم النظام القديم؛ لا للحرب بين الإخوة، نعم للكراهية بين الإخوة.

• عندما تحدثنا في الماضي عن أحلامه، قلت له إن الجمع بين مشجع متعصب لـ"هبوعيل" ومشجع متعصب لـ"ألتالينا" أمر مستحيل. إنه يثير الشك في سلامة عقله، فابتسم. وعندما دخل الحكومة أول مرة، كان يأمل بأن تنتشل البحرية السفينة له، لكن الجيش الإسرائيلي، كعادته، قدم فاتورة مالية هائلة، فذهب ليفين للبحث عن أحلام أُخرى. وعند التفكير مرةً أُخرى، كانت أحلام شبابه أقلّ ضرراً.

• ثم أتى بن غفير، مؤسس الميليشيات في الضفة، ليحرر "ألتالينا" من أسرها. على مناحِم بيغن أن يتقلب في قبره، وليس هو وحده؛ لقد وعد نتنياهو أمس بأنه سينتشل السفينة من البحر؛ فكروا في المشهد: العالم كله يغرق من حول نتنياهو: السابع من أكتوبر؛ الحرب مع إيران؛ العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا؛ التهرب من الخدمة العسكرية؛ والحرب التي لا تنتهي؛ أعمال أجيال من الإسرائيليين تغرق في البحر؛ وهو ينتشل سفينة.