بعد صافرة النهاية.. هل حان الوقت لان تخرج غزة من ساحة الرماية؟
نشر بتاريخ: 2026/07/20 (آخر تحديث: 2026/07/21 الساعة: 16:45)

اسدل الستار على كاس العالم، وانطفات الأضواء وعادت الجماهير الى بيوتها وصافح اللاعبون بعضهم بعضا واحتفل المنتصر، وانتهت المباراة بعدما اطلقت صافرة نهاية الوقت الاصلي والإضافي، لكن في غزة لا توجد صافرة نهاية.

هنا لا يغادر اللاعبون الملعب، لان الملعب لم يكن يوما ملعبا بل ساحة رماية ما يجعل غالب الظن ان غزة واهلها ليسوا طرفا في مباراة حتى ينتصروا او يخسروا، بل شاخصا ثابتا في ميدان تتغير فيه البنادق ولا يتغير الهدف.

يقف شاخص الرماية كعادته صامتا يتلقى الطلقات واحدة تلو الأخرى وحين يمتلئ بالثقوب يستبدل بغيره، اما غزة فلا تستبدل، تبقى في مكانها تلتئم قليلا لتستقبل جولة جديدة وكان قدرها ان تكون الهدف الدائم، بينما يتبدل شكل الرماة، وتتغير الذرائع، وتبقى الجغرافيا وحدها عاجزة عن مغادرة المشهد المؤلم ليس لطول أمد الحرب فحسب بل انها اصبحت اعتيادية، حتى بدا العالم يتعامل معها كما يتعامل مع نشرات الطقس ارقام وصور وبيانات جديدة، ثم يمضي الجميع الى يومهم التالي.

في غزة لا يقاس الزمن بالاشهر ولا بالاعوام، بل بمساحات الخطوط العسكرية، وباشارات الاخلاء القاتلة، وبالجولات التي لا يمكن حصر ما تتركه من الم، وذاكرة تزداد ثقلا، وانسان يحمل فوق كتفيه ما لا تستطيع الجبال حمله، ثم يطلب منه ان يبدا من جديد وان يبتسم من جديد وان يصدق ان الغد سيكون افضل.

كبر اطفال غزة وهم يعرفون اصوات الطائرات اكثر مما يعرفون اصوات العصافير، وحفظوا طرق النزوح اكثر مما حفظوا طرق المدارس، وادركوا معنى الوقوف في طوابير التكيات اكثر من معرفتهم الملاعب والحدائق، واصبحت كلمة العودة تعني العودة الى بيت نصفه ركام او الى شارع تغيرت ملامحه او الى شجرة بقيت شاهدة وحدها على مكان كان يوما بيتا.

ورغم كل ذلك، فغزة لم تمنح فرصة للحياة الطبيعية، فالصمود - على عظمته - لا يمكن ان يكون مشروعا دائما، ولا يجوز ان يصبح بديلا عن المستقبل، لا توجد مدينة في العالم خلقت لتعيش بين جولة وأخرى ولا شعب كتب عليه ان يبقى معلقا بين اعادة اعمار لم تكتمل وحرب لم تنته.

تماما كما احتاج العالم الى صافرة نهاية في كاس العالم ليبدا موسما جديدا، تحتاج غزة الى صافرة من نوع اخر، صافرة تعلن نهاية زمن النظر اليها بوصفها شاخصا في ساحة رماية، وبداية زمن النظر اليها بوصفها مدينة تستحق الحياة.

لقد استهلك العالم كل مفردات الحرب، وحان الوقت ان يبحث عن مفردات البناء. استهلك الحديث عن الدمار، وحان الوقت للحديث عن المدارس والجامعات والمصانع والحدائق، وعن اقتصاد ينهض، وتعليم يتعافى، وشباب يصنعون المستقبل بدلا من انتظار الجولة القادمة.

لن يكون أعظم انتصار لغزة ان تصمد في حرب جديدة، بل ان تستغني عن انتظار الحرب التالية، ولن يكون اعظم انجاز للعالم ان يحصي حجم الدمار، بل ان يمنع تكراره، وان يشارك في صناعة مستقبل يليق باهل غزة، وبحقهم في حياة طبيعية.

بعد كل صافرة نهاية تبدأ مباراة جديدة، اما غزة فقد حان الوقت الا تبدأ حربا جديدة، بل حياة جديدة. هذه هي البطولة التي تستحق ان يحتفل بها العالم، وهذا هو الكاس الذي ينتظره أكثر من مليوني انسان، كاس اسمه المستقبل.