واكتشفت إسرائيل أن نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، هو ابن لمدمنة مخدرات ذات سمعة سيئة.. هكذا فجأة وبمقدمات كانت واضحة أن إسرائيل باتت تخشى من حضور جي دي فانس وتخشى أكثر من ترشحه للانتخابات العامة عام 2028، فقد ألقى في مقابلته التلفزيونية الأخيرة ما يشبه القنبلة وهو يحذر إسرائيل من مهاجمة آخر الأصدقاء. هكذا آخر الأصدقاء بعد أن قال: «نحن من يحميكم»، وهذا أصعب ما تسمعه إسرائيل من شخصية رفيعة بهذا المستوى، وبهذا الوضوح، قبل أن تكتشف أن جدته كانت تحشو مسدسها بالرصاص، وأن والده قد ترك العائلة والأم المدمنة التي لم تهتم بابنها.
هذا أيضاً أقسى هجوم تشنه الصحافة الإسرائيلية على شخصية بهذا الثقل، ومعروف أن هناك جهاز رقابة على الصحافة في إسرائيل يسمح ويمنع، أي أن هذا التقرير، الذي تم نشره عن الحياة البائسة لنائب الرئيس وما به من تلميحات وإيحاءات تهدف للنيل من تاريخه الشخصي، جاء بعد أن أصيبت إسرائيل بالصدمة كما وصفت داخلياً من تصريحات الرجل الذي قال لهم: إن ثلثي الأسلحة التي تدافع عنهم أميركية، وإن دافع الضرائب الأميركي هو الممول، وبينما اختارت الحكومة عدم الرد، كانت على ما يبدو تترك الأمر للصحافة.
لم تكن أزمة إسرائيل مع فانس وليدة الفترة الأخيرة وتوقيع الاتفاق مع إيران الذي جاء نتيجة جهود فانس، في حين تبدي إسرائيل غضبها من الاتفاق، بل هاجمه وزراء في حكومتها. إذ كتب وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير على «تلغرام»، لحظة سماعه عن الاتفاق، أن إسرائيل ليست ملزمة به وليست خاضعة للولايات المتحدة، أما بتسلئيل سموتريتش زميله الذي يتقاسم معه وجبة التطرف على مائدة الحكومة، فقد وصف الاتفاق بأنه سيّئ لإسرائيل. لكن الأزمة هي أن فانس يحمل اتجاهاً مختلفاً تماماً عن الوجهة الإسرائيلية؛ فهو أحد أبرز قادة ومؤسسي حركة «ماغا» التي تعتبر أن أميركا أولاً، بعكس جميع الرؤساء ونوابهم منذ أن تشكلت إسرائيل، حيث كانت بالنسبة لهم إسرائيل أولاً وأخيراً، ما يثير الذعر في إسرائيل التي ستعمل جاهدة لإضعاف حظوظه كمرشح للحزب الجمهوري بعد عامين لصالح مرشح آخر.
فانس ابن الثانية والأربعين، ثالث أصغر نائب رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، يمتلك شخصية قوية يعتبرها بنيامين نتنياهو عقبة في طريق الاستيلاء التام على عقل الرئيس المعجب بنائبه، الذي تجرأ يوماً على اعتراض ترامب ومهاجمته بلا تردد حين تطلب ذلك قبل أن يصبح نائباً له. وهذا ما جعل نتنياهو يقتنص فرصة وجود فانس في أذربيجان، في الحادي عشر من شباط الماضي، ليطير مصطحباً رئيس «الموساد»، الذي وضع خطة الهجوم على إيران، للاستفراد بالرئيس لجره إلى حيث يريد. وحين عاد فانس في اليوم التالي كان قد تم اتخاذ القرار في واشنطن لصالح الحرب وقد فات الأوان مدركاً ما فعله نتنياهو، لتكون أول مكالمة بين الرجلين بعد الحرب أن يقول فانس لنتنياهو في السابع والعشرين من آذار: «لقد كنت متفائلاً أكثر من اللازم بتقديرك لإسقاط النظام في إيران»، وتلك كانت تُفهم «أنك ورطت الرئيس وأميركا» ولكن بلغة دبلوماسية قبل أن ينزع فانس قفازاته مهاجماً.
لم تدرك إسرائيل بعد أنها أصبحت منبوذة في العالم ووصلت تلك العدوى للولايات المتحدة؛ حيث يتساقط مؤيدي إسرائيل الذين اعتاشوا على أموالها للتبرؤ من ذلك الدعم، إذ يشهد الحزب الديمقراطي ثورة يسارية يقف خلفها عمدة نيويورك الشاب زهران ممداني، الذي أصبح ينظر إليه كرقم في الولايات المتحدة ويتمدد نفوذه خارج نيويورك مستمداً من بيرني ساندرز كل الدعم اللازم، وأهمية ساندرز الرجل صاحب الأخلاق أنه يهودي محصن من تهمة العداء للسامية وهو ما أشار إليه فانس، إذ اعتاشت إسرائيل على تلك الرواية حيث انتقاد إسرائيل هو معاداة للسامية حين قال: إن انتقاد سياسات رئيس وزراء إسرائيل لا تعني بالضرورة كراهية اليهود، محذراً من استخدام تهمة معاداة السامية لإسكات منتقدي إسرائيل. وهو آخر ما كانت تتوقعه إسرائيل من شخصية أميركية وبهذا الموقع..!
مهم هذا الانكشاف الإسرائيلي الذي ترجم نفسه من خلال استبعادها من مفاوضات إيران. وبعد أن كانت تريد أن تكون شريكاً رئيساً في إعادة هندسة الشرق الأوسط، تجد نفسها وحيدة منبوذة تجلس على هامش الحدث تتلقى الانتقادات من العاصمة التي تحملها على أكتافها وتحميها، كما قال فانس، ومن باقي الولايات التي يسقط فيها مرتشو اللوبي الصهيوني وينجح مؤيدو الحق الفلسطيني. يحدث هذا بعد أن جاء ترامب حاملاً عصا غليظة ضد المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني، وبدأ بعقاب الجامعات، لينتهي بمقولته التي اختصرت كل شيء: «سابقاً كان على المرشح أن يؤيد إسرائيل من أجل الفوز، أما الآن عليه أن يبتعد عنها كي يفوز».
كل هذا وإسرائيل تتعامى عن وقائع حركة التاريخ، معتقدة أنها ستحل المشكلة بحملة إعلانية دون أن تدرك أنها ترتكب أفعالاً تخرجها عن النظام العالمي، لدرجة أن يجرؤ نائب رئيس ومرشح ربما للرئاسة أن يغامر بأصوات وهو ينتقد إسرائيل.. فتلك كبيرة.
نقلا عن جريدة الأيام