كيف سيسقط اتفاق الإطار، وماذا يعني سقوطه؟
نشر بتاريخ: 2026/07/02 (آخر تحديث: 2026/07/02 الساعة: 13:26)

قلنا في المقال السابق، إن إيران والمقاومة اللبنانية لم تقولا كلمتهما بعد في كيفية إسقاط «اتفاق الإطار»، وأنهما سيعملان معاً على التصدي له، وعلى إسقاطه، وعلى إحباط أسسه ومرتكزاته.

وقلنا أيضاً إن هذا الاتفاق فاقد لقاعدة الدعم السياسي، لبنانياً وإسرائيلياً وأميركياً وإقليمياً، وهو الأمر الذي سيسهّل على إيران والمقاومة اللبنانية إنجاز هذه المهمة.

قبل كل شيء، فإن مهمة إسقاط هذا الاتفاق هي مهمة سهلة، ومن زوايا معينة ستتحقق دون خسائر كبيرة، وسيقتصر إسقاط الاتفاق على أضرار جانبية قابلة للتحمل، ويمكن التعامل معها والحد من آثارها بدرجة كافية من اليقين السياسي المتوازن.

فإذا كانت الولايات المتحدة ما زالت معنية بالاتفاق مع إيران، والأرجح أنها ما زالت معنية، وإذا كانت لا ترى في اتفاق الإطار أولوية على الاتفاق مع إيران، وأن كل ما أبدته من دعم لاتفاق الإطار إنما يأتي في سياق اللعبة الأميركية للضغط على إيران، ومحاولة إفراغ الاتفاق الأميركي الإيراني من بعض مضامينه، خصوصاً في مسألتَي مضيق هرمز ولبنان، وفي سياق التوازنات التي يحاول الرئيس ترامب أن يلعبها لتفادي أي تصدعات جديدة داخل البيت الأبيض، في ظل حساسية الأمر الانتخابي، وهذا كله هو الأرجح.

فإن إصرار إيران على الالتزام الأميركي بالنص الوارد في الاتفاق، سيعني، من بين ما يعنيه، أن اتفاق الإطار سيفقد كل قيمته السياسية، وسيتحول إلى مجرد «ورقة سياسية» يستطيع نتنياهو تبليعها لجمهور اليمين المتطرف بصعوبة بالغة، دون أن يحصل بالمقابل على مردود سياسي حقيقي.

في هذه الحالة، وهي الحالة الأقرب إلى الواقع والمنطق، سينهار اتفاق الإطار، أو سيعتبر، بحكم الواقع، ساقطاً، أو على الأغلب سيعتبر لاغياً دون إعلان رسمي بإلغائه.

الإصرار الإيراني هنا هو بمثابة وضع الإدارة الأميركية أمام امتحان صعب، للاختيار ما بين إرضاء نتنياهو، وما بين احتدام الصراع داخل البيت الأبيض، وفتح مسألة (أميركا أولاً) على مصراعَيها.

وسيتعين على الرئيس ترامب، في هذه الحالة، أن يواجه أزمة جديدة بخصوص مضيق هرمز، خصوصاً أن الممر العماني انكشف كفقاعة سياسية ليس لها أي أبعاد حقيقية في حل هذه الأزمة، طالما أن إيران تربط وقف إطلاق النار على كل الجبهات، خصوصاً في لبنان، بمسألة المضيق، وطالما أن إيران مستعدة للعودة إلى الحرب إذا ما تنصلت أميركا عن هذا البند، والذي هو البند الأول في الاتفاق.

أما لبنانياً، فإن مجرد اتفاق «حزب الله»، وحركة أمل، ووليد جنبلاط، وسليمان فرنجية، والقوى القومية السنية، ومجرد نأي تيار المستقبل بنفسه عن التأييد المباشر لاتفاق الإطار، وبمجرد عدم اندفاع التيار الوطني الحر وراء هذا الاتفاق، فهذا يعني أن الاتفاق قد سقط.

وأما إذا فشل الحكم في زج الجيش في أتون هذه المقامرات، وبقي هذا الجيش خارج هذه اللعبة الخطرة، فإن سقوط هذا الإطار يصبح حتمياً، ومن قبيل التحصيل الحاصل.

وهنا أيضاً، فإن المقاومة اللبنانية لا تحتاج، ولا يجوز أن تسعى إلى التجييش الشعبي، لأن مثل هذا التجييش هو مصلحة لأصحاب اتفاق الإطار.

ونقل الخلاف إلى الشارع يساهم في تحويل هذا الخلاف وكأنه خلاف سياسي بين حكم ومعارض، أو بين موقف سياسي وموقف سياسي آخر، على قضية هنا وأخرى هناك.

في حين أن الخلاف هو خلاف جذري، وعميق، ودستوري، وقانوني، ومصيري. وهو، بهذا المعنى بالذات، خلاف شامل وعميق يمس الكيان الوطني اللبناني، ويمس وحدة الدولة والمجتمع، ويمس أسس ومرتكزات مؤسساته الوطنية، وعلى رأس هذه المؤسسات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، حيث إن اتفاق الإطار تضمن، من بين أخطر ما تضمنه، اللعب الإسرائيلي بهذه المؤسسات، بالإضافة إلى مؤسسات ومناهج أخرى كثيرة.

أي أن بناء حلف سياسي وطني على إجماع وطني واحد، يقوم على رفض اتفاق الإطار والسعي إلى إسقاطه من كل أسسه ومرتكزاته الدستورية والوطنية، سيؤدي إلى تفادي الاستهدافات الإسرائيلية من هذا الاتفاق، وسيؤدي إلى تجنيب لبنان الانزلاق إلى صدام داخلي يسعى الحكم إلى جر البلاد إليه، قبل أن يؤدي سقوط الاتفاق إلى مثل هذا الصدام.

وهذه النقطة الأخيرة هي مربط الفرس في الأمر كله.

وبكلمات أخرى هنا، تكمن الإجابة عن سؤال: ماذا يعني سقوط الاتفاق؟ وهل هناك فرق جوهري بين سقوط اتفاق الإطار في الحالة الأولى، أي في وسط بناء إجماع وطني على بند واحد، هو إسقاط الاتفاق، دون اللجوء إلى الشارع، ودون التحشيد الجماهيري، وخوض معركة إسقاط الاتفاق في الأطر القانونية والدستورية، وفي الإطار الوطني الشامل، وبين التحشيد الشعبي والنزول إلى الشارع؟

الجواب هو نعم كبيرة، والفرق جوهري وشاسع.

الحكم في لبنان لديه «شرعية شكلية « لعقد اتفاق مع أي دولة خارجية، لكن هذه الاتفاقية لا يجوز أن تتضمن مخالفة دستورية، والمخالفة الدستورية هنا واضحة ومكتملة الأركان، وتتعلق بوحدة الأرض، والسيادة، وحماية البلاد والعباد.

حتى لو رجعنا إلى اتفاقيتَي كامب ديفيد ووادي عربة، بل وحتى في اتفاقيات أوسلو نفسها، فإن النصوص لا توجد فيها تنازلات كبرى في هذا المسار كله. توجد تنازلات أخرى، ولكنها لا تمس، مثلاً، وحدة أراضي الدولة، أو سيادتها على الإقليم الجغرافي، وعلى حدودها، بالحالتين المصرية والأردنية.

ولا توجد أي إشارات في اتفاقيات أوسلو إلى عدم وحدة وسيادة السلطة على إقليمها الجغرافي، رغم كون اتفاقيات أوسلو هي اتفاقيات ذات طابع انتقالي أو مؤقت.

لبنان، بموجب البنود التي وردت في اتفاقية الإطار، هو الدولة الوحيدة في العالم، بحدود ما أعرف، الذي رهن سيادته ووحدة أراضيه لدولة أخرى، دون أي سقف زمني، ودون أسباب موجبة، ودون قدرة على تلبية الشروط الإسرائيلية، ودون أي ضمانات قانونية، ودون أي اشتراطات لبنانية، سوى وعود مستحيلة التحقق، لأنها وضعت في النصوص لكي يستحيل الالتزام الإسرائيلي بها.

ولذا، لا يملك الحكم سوى أن ينقل المعركة إلى الشارع، لأن الاتفاق، إذا سقط دون نقل هذه المعركة إلى الشارع، سيكون هو ضحية مثل هذا السقوط.

في حين ستكون لديه فرصة، أو فرصة الاستنجاد بالإقليم أو بعض أطرافه، والاستنجاد بالغرب وأميركا، في حال انتقال الصراع على اتفاق الإطار إلى الشارع.