لم أستوعب يوماً أنني سأنجبُ من رحمي امرأةً أخرى لا تشبهني البتة.
أعرفُ أن الاستنساخ يمنح صورةً طبق الأصل، لكن هذه التي تسكنني الآن.. غريبةٌ عن روحي.
امرأةٌ تتقن الصمت،لا حبّاً فيه،بل لأن الحرب خطّت بقذائفها قانوني الجديد.
امرأةٌ ابتسامتُها باهتة، لأن الموت أخرسَ ضحكتي الطفولية.
لقد غرست لعنة الحرب مخالبها في أدق تفاصيلي، حديثي ارتدّ إلى تمتمات مذعورة، حواراتي أُجّلت إلى إشعارٍ آخر، وإحساسي كله اختُزل في إيماءات عابرة.
لستُ أنا من ترونها الآن..
أنا "خيمةٌ" تسير على قدمين، بجموحٍ مكسور، وابتسامةٍ مصطنعة، وحواراتٍ حُفرت على جبيني بكبرياء جريح.
أنا امرأةٌ تقتات الحرب على مائدة روحها كل مساء.
أصبحتُ قاسيةً بجبروتٍ مرعب، أقمع رغبتي في الضحك وأحولها لملامح ساكنة، فالضحكة داخل الخيمة مكشوفة الجدران، يسمعها كل من خلف الأقمشة المجاورة، والحوار الشخصي يصبح هنا ملكاً للجميع.
خيمتي تغتال خصوصيتي كل يوم، تذيب ملامحي القديمة، لتنتصر "مستنسختي" القاسية عليّ.
توقظني تلك النسخة المشوهة فجراً، أرى لها أنياباً تفغر فاها بانتصار سادي، كأنها تخبرني أنها الامتداد الشرعي للحرب.
أقابلها بابتسامتي الغامضة.. تندهش هي، وتستفزها طمأنينتي المصطنعة.
تريدني أن أبكي، أن أصرخ في وجهها: "كفى! أعيدي لي زوايا بيتي، أعيدي صراخي، أغنياتي الصاخبة، وجدراني الأربعة!".
أين الزوايا؟ كل شيء تحول إلى سخرية سوداء تفجر فيّ قوة لا أدرك مداها.
الآن.. مع صوت آذان الفجر، أتأمل مستنسختي في قاع كوب الماء الذي أشربه.
أشربها معي لعلها تدعني وشأني.
الفجر هنا لم يعد كالسابق، مثقلٌ بأنين النائمين داخل أقمشة الخيام.
شخيرهم المخنوق لم يعد يزعجني، بل بات رسالة بقائهم على قيد موتٍ مؤجل، كائنات تمزقها أنياب الخيام كل صباح، لكنها تصحو بابتسامةٍ تتحدى العدم.
وفجأة.. تلاشت التمتمة!
ضحكتُ بصوتٍ عالٍ شقّ سكون الليل، ضغطتُ على أصابعي حتى سمعتُ طرطقات العظام، صرختُ بكل ما أوتيتُ من حياة.. فانفكّ قيدي.
درتُ حول نفسي في فضاء بلا زوايا، حاورتُ الصمت فاستحال إلى ضجيجٍ ثائر.
صرخ الصامتون من حولي بدواخلهم: "باقون رغم كل شيء".
أدركتُ أخيراً أن صمتي الحالي ليس هزيمة، بل هو مِهنة أتقنها مؤقتاً لحماية روحي الحقيقية التي تراقب من بعيد.. تضحك، تحاور، وتنتظر تلك اللحظة التي ستُفجّر فيها الحياةُ هذه الخيمة.
أمسكتُ بمرآتي، وحاورتُ ملامحي بألسنة الصامتين:
لن تمحوني هذه الأقمشة المهترئة! ستبقى ضحكتي، وستسترد ملامحي ألوانها، وستظل أنياب مستنسختي تتأكل غيظاً من سخرية صمتي.
وسرّ قوتي لغزٌ عصيّ على أوتاد الخيمة التي تحاول إذابتي.
ظنّت الحرب أنني هُزمت..
لكنني سأعيش، وستهرول الحياة إليّ يوماً .
وسأبتسم إلى حين.