رعاية الإبداع... استثمار في الإنسان الفلسطيني
نشر بتاريخ: 2026/06/16 (آخر تحديث: 2026/06/16 الساعة: 17:03)

في أزمنة الأزمات الكبرى، تنشغل المجتمعات عادة بتأمين احتياجاتها المباشرة، وتصبح الأولوية للغذاء والدواء والمأوى والحماية، وهذا أمر طبيعي، بل وضروري، لكن التجارب الإنسانية أثبتت أن الأمم لا تعيش بالاحتياجات المادية وحدها، وأن المجتمعات التي تحصر جهودها في إدارة الأزمات دون الاستثمار في الإنسان، إنما تؤجل أزماتها إلى المستقبل ولا تعالجها.

ففي الحالة الفلسطينية، لا يمكن النظر إلى الصمود باعتباره مجرد قدرة على البقاء، بل باعتباره مشروعاً متكاملاً لحماية الإنسان وتعزيز قدرته على الإنتاج والإبداع والنجاح رغم كل الظروف، ومن هنا تبرز أهمية أي جهد وطني أو مجتمعي يضع الإنسان الفلسطيني في مركز اهتمامه، ليس بوصفه متلقياً للمساعدة فقط، بل باعتباره شريكاً في صناعة المستقبل.

من هذا المنطلق، تكتسب المبادرات التي تهتم بالمبدعين والمتفوقين وأصحاب الإنجازات قيمة تتجاوز بعدها الرمزي، فعندما يحرص التيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح على تكريم النماذج المتميزة، وعندما يتواصل القادة مع أصحاب الإنجازات العلمية والثقافية والأكاديمية، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد لفتة تقدير، بل بتكريس ثقافة وطنية ترى في المعرفة والنجاح والإبداع أدوات من أدوات النضال الفلسطيني المعاصر.

وقد تجسد ذلك مؤخراً في اتصال الأخ القائد أبو فادي بالمبدعتين تالا وفرح لتهنئتهما بفوزهما بجائزة الأرض، وهي مبادرة تحمل دلالات تتجاوز التهنئة الشخصية إلى تأكيد الاهتمام بالمواهب الفلسطينية الشابة والاحتفاء بإنجازاتها، كما جاء تكريم عملية الفارس الشهم 3 للفنان والمبدع كمال صبح بمناسبة فوزه بجائزة من جامعة السوربون، ليعكس إدراكاً لأهمية الإبداع الثقافي والفني بوصفه أحد روافد الحضور الفلسطيني في العالم، وأحد أشكال القوة الناعمة التي تعزز صورة شعبنا وقدرته على المنافسة والتميز.

لقد اعتاد الفلسطيني أن يُعرّف نفسه للعالم من خلال صموده في مواجهة الاحتلال والعدوان، لكن الوجه الآخر للرواية الفلسطينية يتمثل في قدرته على إنتاج المعرفة والتميز والابتكار، فالطالب الذي يحصد جائزة علمية، والباحث الذي يصل إلى جامعة عالمية مرموقة، والفنان أو المبدع الذي يحقق إنجازاً ثقافياً أو أكاديمياً، جميعهم يساهمون في تعزيز الحضور الفلسطيني في الفضاء الإنساني العالمي بقدر لا يقل أهمية عن أي جهد سياسي أو إعلامي.

ولعل ما يلفت الانتباه في تجربة التيار الإصلاحي خلال السنوات الأخيرة هو إدراكه لأهمية التكامل بين الدعم الإنساني والاستثمار في رأس المال البشري، فالتدخلات الإنسانية التي تنفذها عملية الفارس الشهم 3 أسهمت في التخفيف من معاناة آلاف الأسر وتعزيز قدرتها على الصمود، لكن هذا الدور لم يكن منفصلاً عن اهتمام موازٍ بالإنسان المبدع والمنتج وصاحب المبادرة، وكأن الرسالة هنا واضحة: حماية الإنسان تبدأ من تلبية احتياجاته الأساسية، لكنها لا تكتمل إلا بإطلاق طاقاته وتمكينه من تحقيق ذاته.

ولعل أهمية هذا النهج تتضاعف في واقع غزة اليوم، حيث لا يقتصر التحدي على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل يمتد إلى حماية الإنسان الفلسطيني من آثارها العميقة على الوعي والأمل ومستقبل الأجيال، ففي ظل الظروف القاسية التي يعيشها أبناء شعبنا، يصبح الاحتفاء بالنجاح ورعاية المبدعين وتكريم أصحاب الإنجازات رسالة وطنية بامتياز، تؤكد أن غزة ليست فقط ساحة للمعاناة، بل أيضاً بيئة قادرة على إنتاج العلم والثقافة والإبداع، ومن هنا تتكامل الجهود الإنسانية التي تعزز صمود الناس مع الجهود التنموية التي تحافظ على طاقات المجتمع وتمنحه أسباب الثقة بالمستقبل، لأن إعادة إعمار الحجر لا يمكن أن تكتمل دون رعاية الإنسان وصون قدرته على الحلم والإنجاز.

إن تكريم الفائزين بالجوائز العلمية والأكاديمية، والاحتفاء بالنجاحات الفلسطينية، يحمل في جوهره بعداً تنموياً عميقاً، فهو يعيد الاعتبار لقيمة الجهد والمعرفة، ويقدم للأجيال الشابة نماذج نجاح حقيقية في زمن تزدحم فيه الساحات بنماذج سطحية لا تصنع وعيا ولا تبني مجتمعاً، كما أنه يبعث برسالة مفادها أن المجتمع لا ينسى أبناءه المتفوقين، وأن الإنجاز الفردي يتحول إلى قيمة جماعية تستحق الاحتفاء.

ولا تقل أهمية عن ذلك سياسة الانفتاح على أصحاب الرأي والفكر والكفاءات المختلفة، وفتح المنصات الإعلامية والمجتمعية أمام الأقلام والأصوات القادرة على الإسهام في النقاش العام، فالمجتمعات التي تبحث عن مستقبل أفضل لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تسعى إلى إنتاج الأفكار التي تغيره، لذلك فإن احتضان التنوع الفكري وإتاحة المجال للكفاءات الوطنية للتعبير والمشاركة يمثلان شرطاً أساسياً لأي مشروع نهضوي حقيقي.

إن الأمم الحديثة تقاس اليوم بما تمتلكه من قوة ناعمة بقدر ما تقاس بما تمتلكه من إمكانات مادية، والقوة الناعمة الفلسطينية لا تتجسد فقط في عدالة القضية، بل أيضاً في العقول الفلسطينية التي تبرع في الجامعات والمراكز البحثية، وفي المبدعين الذين يحملون اسم فلسطين إلى المحافل الدولية، وفي الشباب القادر على تحويل المعاناة إلى إنجاز.

لهذا فإن رعاية الإبداع ليست نشاطا تكميليا يمكن الاستغناء عنه عند الأزمات، بل هي جزء من معركة الصمود ذاتها، فكما يحتاج الإنسان إلى من يسانده في لحظات الضعف، يحتاج أيضاً إلى من يؤمن بقدراته ويحتفي بإنجازاته ويفتح أمامه أبواب المستقبل، وفي هذا تكمن القيمة الحقيقية لأي نهج يربط بين العمل الإنساني والتنمية البشرية، وبين دعم الاحتياجات اليومية وصناعة الأمل.

إن الاستثمار في الإنسان الفلسطيني سيبقى الاستثمار الأكثر جدوى، لأنه الاستثمار الوحيد القادر على البقاء مهما تبدلت الظروف، فالمساعدات تنتهي، والأزمات تتغير، أما الإنسان المتعلم والمبدع والواثق بقدرته على الإنجاز، فهو الثروة التي لا تنضب، والضمانة الحقيقية لمستقبل فلسطين.