حين يتحدث الفلسطيني بمفردات الاحتلال كيف تصنع الانقسامات في الوعي الوطني؟
نشر بتاريخ: 2026/06/07 (آخر تحديث: 2026/06/08 الساعة: 01:03)

 

في اللحظات المفصلية التي تمر بها القضية الفلسطينية تعتبر المعركة على الوعي والرواية ذات اولوية لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض.

فالكلمات والتصريحات والكتابات لا تنحصر كونها اداة من أدوات التعبير بل في كثير من الاحيان تشكل أدوات لتشكيل الوعي والإدراك العام وصناعة المواقف وتوجيه النقاشات السياسية والاجتماعية.

ومن هذا المنطلق يثير التوسع في استخدام مصطلحات خبيثة من قبيل “دحلانستان” و”فتحستان” و”حماسستان” تساؤلات جدية حول مصادر هذه المفردات وأهدافها السياسية وانعكاساتها على الوعي الوطني الفلسطيني. فهذه المصطلحات لم تنشأ في إطار حوار وطني ولا في سياق معركة فكرية تبحث عن حلول جذرية مستدامة بل جاءت في سياقات تقوم على التصنيف والإقصاء وإعادة إنتاج الانقسام، وتحويل الخلاف السياسي إلى حالة من التشويه المتبادل .

لقد دأبت المؤسسة الإسرائيلية، عبر عقود طويلة، على تقديم الفلسطينيين للعالم باعتبارهم كيانات متنازعة ومجتمعات منقسمة وغير قادرة على بناء مشروع وطني موحد.

وفي هذا السياق، ظهرت العديد من المفردات التي سعت إلى تكريس صورة “الكانتونات الفلسطينية” المتصارعة، بهدف نزع الشرعية عن أي مشروع وطني جامع وإضعاف الهوية السياسية الفلسطينية الجامعة.

والمثير للقلق أن بعض هذه المفردات انتقلت مع الوقت إلى الخطاب الفلسطيني الداخلي، وأصبحت تتردد على ألسنة بعض الكتّاب والإعلاميين والسياسيين، أحياناً دون إدراك للخلفيات السياسية والثقافية التي أنتجتها المنظومة الاسرائيلية وهنا تكمن الخطورة الحقيقية في حين يبدأ الفلسطيني بتبني المفردات التي صُممت أصلاً لتفكيك روايته الوطنية، ليصبح شريكاً ولو من دون قصد في إعادة إنتاج آثارها داخل المجتمع الفلسطيني واحداث شرخاً واختراق في منظومة الوعي الوطني الفلسطيني.

إن الخلاف السياسي أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع حي، لكن تحويل هذا الخلاف إلى قاموس من السخرية والتخوين والوصم السياسي الذي لا يخدم سوى تعميم المصطلحات الاسرائيلية وتعميق الانقسام الفلسطيني وإضعاف فرص التوافق الوطني.

كما أن إطلاق أوصاف تستهدف شخصيات أو تيارات أو حركات سياسية بعينها لا يضيف شيئاً إلى النقاش العام بقدر ما يدفعه نحو المزيد من الاستقطاب وتعزيز خطاب الكراهية وخلافاً للمطالبات التي تدعوا لتعزيز الحوار الوطني وفرض مناعة سياسية ووطنية في مواجهة سردية الابادة والتهجير.

وتزداد حساسية هذه المسألة في التوقيت الراهن حيث تتجه الانظار للقاهرة وتتواصل معها الجهود السياسية والإقليمية والدولية للبحث عن مداخل جدية توقف الحرب علي قطاع غزة وتخفف معاناة الفلسطينيين وتؤسس لمرحلة جديدة من التعافي الوطني.

ففي مثل هذه اللحظات تحتاج الساحة الفلسطينية إلى خطاب يوحد ولا يفرق، ويبحث عن المشتركات بدلاً من توسيع مساحات الخصومة والاسقاطات الشخصية والنفسية والتساوق مع منظومة الاعلام الاسرائيلية.

كما أن الاعتماد المتزايد على التسريبات والتقديرات والتقارير القادمة من الإعلام الإسرائيلي بوصفها مصادر لبناء المواقف والتحليلات الفلسطينية يستدعي مراجعة نقدية جادة والتي تعمل بشكل يومي علي اضعاف التحصينات والمناعة الوطنية ضمن سياسة الاغتيالات السياسية والاعلامية والوطنية عبر التسريبات والاشغال والتشويه والتوتير والاغتيال المعنوي وغيرها ...

فالإعلام الإسرائيلي ليس مؤسسة محايدة، بل جزء من منظومة صراع تمتلك أهدافها السياسية والأمنية والاستراتيجية، وتسعى باستمرار إلى التأثير في البيئة الفلسطينية والعربية والدولية فمعيب ان نتساوق معها فلسطينياً او الاستعانة فيها او الاستناد عليها في كتاباتنا في سياق الراي العام.

ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية للنخب الفكرية والأكاديمية والإعلامية لا تقتصر على نقل المعلومات أو التعبير عن المواقف السياسية بل تشمل أيضاً حماية الوعي الجمعي من الانزلاق نحو مفردات وخطابات تكرس الانقسام وتضعف المناعة الوطنية للمجتمع الفلسطيني والا فإننا امام جريمة وطنية كاملة الاركان .

إن المطلوب اليوم ليس إنتاج مصطلحات جديدة للفرقة تتساوق مع المصطلحات الاسرائيلية بغرض الانتقام او الخصومة بل نحن بحاجة حقيقية لإنتاج أفكار جديدة للوحدة والحوار وليس البحث عن خصوم جدد داخل البيت الفلسطيني، بل البحث عن مساحات أوسع للحوار والتفاهم والشراكة الوطنية.

فالتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني – من الحرب والتهجير إلى محاولات إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي – أكبر بكثير من أن تُواجَه بخطابات الإقصاء والكراهية والاستعراض بالمصطلحات التي انزلق فيها البعض لارضاء ذواتهم في الوقت الذي يبذل فيه البعض جهوداً كبيرة بهدف التوصل الي حوار يفضي لانهاء الحرب وانقاذ قطاع غزة وسكانه من الكارثة والتهجير واعادة احتلاله والبعض ينظم حملاته السامة والموجهة لاشغال الراي العام وحرف الانظار والاجتهاد بالخراب وفتح ثغرات في جدار المناعة الوطنية وافشال خصومهم السياسية دون الاهتمام بالكوارث الوطنية .

وفي ظل هذه الظروف، يصبح من الضروري أن تنهض النخب الفلسطينية بدورها الطبيعي في ترميم المجال الوطني العام، وبناء خطاب عقلاني ومسؤول يفتح أبواب الحوار ويعزز ثقافة الشراكة ويعيد توجيه البوصلة نحو الأولويات الحقيقية للشعب الفلسطيني.

فالتاريخ يثبت أن الأمم لا تنهض بخطابات التشهير والتضليل والتزيف بل بمشاريع الوحدة والحوار والشراكة الوطنية ومغادرة مربع التفرد والاقصاء والاستحواذ ولا تنتصر بالمصطلحات التي تفرق أبناءها، بل بالأفكار التي تجمعهم حول هدف وطني مشترك.

ولهذا فإن أي خطاب يعزز الانقسام أو يكرس الكراهية أو يستعير مفرداته من روايات الاحتلال التي تسعى إلى تفكيك الهوية الوطنية الفلسطينية يستحق التوقف عنده ونقده ليس دفاعاً عن أشخاص أو تنظيمات، وإنما دفاعاً عن وحدة الوعي الوطني الفلسطيني نفسه وتمتين المناعة الوطنية.