حين تُربك الروايةُ السلاح لماذا تشنّ إسرائيل هجومًا غير مسبوق على كوشنر؟
نشر بتاريخ: 2026/01/23 (آخر تحديث: 2026/01/23 الساعة: 18:35)

لم يكن الهجوم الإسرائيلي على جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب عابرًا، ولا مجرّد نوبة انفعالٍ إعلاميٍّ مؤقتة، بل بدا أقرب إلى ردّ فعلٍ هستيريّ على اختراقٍ غير متوقّع في جدار السردية الإسرائيلية الصلبة.

فأن تُقدِم شخصيتان بهذه الرمزية السياسية، وبهذا القرب التاريخي من المشروع الإسرائيلي، على إعادة نشر مقالٍ فلسطيني على منصّتي «إكس» و«إنستغرام»، فذلك في العقل الإسرائيلي ليس «حرية تعبير»، بل تجاوزٌ فاضحٌ لخطٍّ أحمر طالما اعتُبر محصّنًا.

الحدث في ظاهره بسيط:

كوشنر وإيفانكا أعادا نشر مقالٍ للناشط الفلسطيني سامر السنجلاوي، يتناول مقاربةً سياسيةً واقعيةً لمستقبل غزة، تقوم على حكومة تكنوقراط وإدارة مدنية بعيدة عن الفوضى والتطرّف.

غير أنّ التبعات جاءت أخطر من المقال نفسه.

إسرائيل لم ترَ في النشر رأيًا، بل كسرًا لاحتكار الرواية.

لماذا كل هذا الغضب؟

لأن كوشنر ليس ناشطًا عاديًا، ولا صحفيًا هامشيًا.

إنه مهندس «صفقة القرن»، ورجل واشنطن الذي تعرفه تل أبيب جيدًا، وتدرك ثقله داخل دوائر القرار الأميركي، حتى وهو خارج الموقع الرسمي.

وحين يأتي الإصغاء – لا الدعم – من هذا الموقع تحديدًا، فإن الخلل لا يكون في مضمون المقال، بل في احتكار السردية الإسرائيلية ذاتها.

اعتادت إسرائيل أن تكون الرواية الفلسطينية محاصَرة، مشكوكًا بها، ومُدانةً سلفًا.

لكن ما حدث هذه المرّة كسر القاعدة:

الرواية الفلسطينية خرجت من الدائرة العربية الضيّقة، ودخلت فضاء التأثير الغربي عبر بوّابة غير متوقّعة.

الهجوم يتجاوز المقال… إلى السياسة

وفق ما كشفه موقع «واللا» العبري، شنّت إسرائيل هجومًا سياسيًا وإعلاميًا غير مسبوق على كوشنر، ووجّهت إليه اتهاماتٍ مباشرةً بالمسؤولية عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة.

وتزعم تل أبيب أن كوشنر تصرّف بدافع «الانتقام» بعد رفضها فتح معبر رفح، ما أدّى – بحسب الرواية الإسرائيلية – إلى إشراك ممثلين عن تركيا وقطر في اللجنة التنفيذية، وهو ما تعتبره إسرائيل تجاوزًا استراتيجيًا مرفوضًا.

وبحسب التقرير، ناقش اجتماع الكابينت الحربي الإسرائيلي سبل الردّ على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه لتشكيل اللجنة، وحمّل المجتمعون كوشنر مسؤولية إدخال أطرافٍ إقليمية لا ترغب بها تل أبيب في إدارة ملف غزة.

الأخطر في هذه الرواية الإسرائيلية ليس الاتهام بحدّ ذاته، بل لغة الذعر التي كُتبت بها:

فكوشنر، الشريك السابق، بات يُصوَّر اليوم بوصفه «مُعرقلًا»، و«متمرّدًا»، و«صاحب أجندة مختلفة».

لماذا كوشنر تحديدًا؟

لأن إسرائيل تعرف جيدًا أن كوشنر ليس عدوًا أيديولوجيًا لها، بل كان شريكًا في أكثر المشاريع انحيازًا لها في تاريخ الصراع.

وحين يصدر من هذا المعسكر أيّ اختراقٍ في السردية، فهذا يعني أن شيئًا ما قد تغيّر.

ترى تل أبيب في كوشنر رجلًا يملك علاقاتٍ اقتصاديةً وسياسيةً عميقةً مع قادة دول عربية، وتستحضر أنه سبق أن عرقل إعلان السيادة الإسرائيلية عام 2020.

أي إنه – من وجهة نظرها – ليس مجرّد وسيط، بل عامل إزعاجٍ استراتيجي.

الرواية الأخطر: العقلانية الفلسطينية

لم يكن مقال السنجلاوي تعبويًا ولا عاطفيًا، بل طرحًا سياسيًا عقلانيًا.

وهذا تحديدًا أخطر ما يمكن أن تواجهه آلة الدعاية الإسرائيلية، التي تتغذّى على الفوضى والتطرّف والصورة النمطية للفلسطيني.

حين يعيد كوشنر نشر هذا الطرح، فهو لا يقول: «أنا مع الفلسطينيين»،

بل يقول ضمنيًا: هذه رواية تستحق أن تُسمَع.

وهنا جوهر الأزمة.

لم تغضب إسرائيل لأن مقالًا نُشر،

بل لأنها فقدت السيطرة الكاملة على القصة في زمن الحرب.

قد تكسب إسرائيل جولةً عسكرية،

لكنها تخسر معركةً أخطر: معركة المعنى.

وحين يبدأ المعنى الفلسطيني بالتسلّل إلى المنصّات المؤثّرة،

حتى من بوّابة حلفاء الأمس،

فذلك إعلانٌ غير مكتوب بأن الرواية لم تعد محاصَرة…

وأن الخوف الحقيقي

لم يعد فلسطينيًا.